توقيتُ الانسحاب: حين يكشف الملل عن صنم البديل

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

توقيتُ الانسحاب يفضح كثيرًا مما نعتقد أننا نؤمن به. الملل غالبًا ما يكشف عن "بديلٍ خفي" في القلب—خطة باء أو رفاهية داخلية تمنعك من أن تكون مضطرًا حقًا. هذا النص يوضح الفرق بين (الراغب) و(المضطر)، وكيف تحرق السفن الخلفية لتسمع دعاءك الصوتي والصادق.

توقيت الانسحاب والملل ككشف داخلي

تأمل تربوي يهدف لمحاسبة النية وتفكيك سبب الملل من العبادة والدعاء، مع خطوات عملية للثبات وعدم الانسحاب قبل لحظة الإجابة.

⏳ توقيتُ "الانسحاب": حين يكشف "الملل" عن "صنم" البديل

(عن كذبة "لقد فعلتُ كل شيء".. وكيف أن الغريق لا ينظر لساعته!)

هل توقفت عن الدعاء؟
هل شعرت ببرودة تسري في أطراف يقينك، فقررت أن تطوي سجادتك وتقول بيأس هادئ:
"لقد دعوت كثيراً.. يبدو أن الأمر ليس لي"؟

تظن أنك توقفت لأنك "يئست"؟
لا.. الحقيقة القاسية التي يخفيها عنك كبرياؤك هي أنك توقفت لأنك "تملك بديلاً".
أنت لست مضطراً حقيقةً.. أنت راغب فقط.

⚖️ 1. اختبار "السم" و"الماء"

الفرق بين (الراغب) و(المضطر) كالفرق بين شخصين يطرقان الباب:
الأول: يطلب "كوب ماء" لأنه عطشان. (راغب).
الثاني: يطلب "ترياقاً" لأن السم يسري في عروقه ويقتله. (مضطر).

الأول قد يمل ويرحل بعد دقائق ليبحث عن متجر آخر، لأنه يملك خيارات.
الثاني سيكسر الباب، أو سيموت على العتبة. هو لا يملك رفاهية الرحيل.

إذا مللت.. فهذا يعني أنك لم تصل لمرحلة "السم" بعد، ما زلت تظن أنك تملك وقتاً.

🛑 2. كذبة "الخيار الوحيد"

الملل هو صافرة إنذار تفضح قلبك.
الملل يعني أن قلبك يلتفت يميناً ويساراً.
يعني أنك تقول لله بلسان حالك:
"يا رب، إن لم تعطِني من هذا الباب، فسأجرب أسبابي الخاصة، أو سأذهب لفلان، أو سأرضى بالواقع".

المضطر الحقيقي – الذي ينطبق عليه ﴿أمّن يجيب المضطر﴾ – لا يمل، لأنه ببساطة لا يملك مكاناً آخر يذهب إليه.

هل رأيت غريقاً في وسط المحيط يتوقف عن التلويح بيده لأنه تعب؟
الغريق يلوّح حتى آخر نفس، لأن توقفه يعني موته.

فإذا مللت من الوقوف بباب الله، ففتش في قلبك.. ستجد صنماً خفياً أو خطة بديلة (Plan B) تتكئ عليها سراً.

🎬 مثال واقعي: (الضيف المتأنق.. والهارب المطارد)

لكي تفهم لماذا تمل من الدعاء، تأمل الفرق بين رجلين يقفان أمام نفس الباب المغلق:

المشهد (أ): صاحب "الخطة البديلة" (المستغني)
رجل يرتدي بدلة أنيقة، جاء لزيارة صديق له.
طرق الباب طرقة مهذبة. انتظر دقيقة.. دقيقتين.
لم يجب أحد.

نظر في ساعته بتأفف، ثم قال:
"يبدو أنه ليس هنا، أو أنه لا يريد مقابلتي.. لا بأس، سأذهب للمقهى أو أعود لبيتي".
ثم أدار ظهره ورحل بكرامة.

لماذا رحل؟
لأن لديه بيتاً آخر يأوي إليه، ولديه بدائل لتضييع الوقت.
هو ليس محتاجاً لدخول هذا البيت تحديداً.

المشهد (ب): المضطر (الذي أحرق السفن)
رجل يركض لاهثاً، ممزق الثياب، وخلفه "وحوش ضارية" (مجازاً: ذنوب، مرض، مصيبة) تريد فتكه.
وصل إلى نفس الباب: باب الحصن الوحيد.

طرق الباب.. لم يُفتح له.
هل سينظر في ساعته ويمل؟
مستحيل.

سيضرب الباب بكل قوته، سيصرخ، سيبكي، وإذا تعب سينام على العتبة.
لن يرحل أبداً.

لماذا؟
لأن الرحيل بالنسبة له يعني الموت بين أنياب الوحوش.
هو يعلم أن هذا الباب هو النهاية:
إما أن يُفتح، وإما أن يموت على أعتابه.

التشخيص:
إذا مللت من الدعاء وتركت باب الله، فاعلم أنك الرجل الأول.
لم تشعر بعد بخطر الوحوش التي تطاردك.
تظن أن لديك بيتاً آخر: حيلة، ذكاء، بشر، يمكنك العودة إليهم إذا تأخر الفرج.

🔌 3. احتراق "البدائل" قبل الإجابة

الدعاء ليس مجرد طلب.. الدعاء عملية توحيد.
تأخير الإجابة هو زمن احتراق الشركاء.

الله يتركك تدعو وتلح وتبكي، ليحترق في قلبك كل أمل في غيره.
في البداية تدعو وأنت تفكر في واسطة، مال، ذكاء.
ثم تتساقط هذه الأوهام واحداً تلو الآخر.

حتى تصل لمرحلة:
"يا رب.. والله ما بقي لي في الكون سواك".

هذه هي لحظة الصفر.
لحظة إجابة المضطر.

لكن الكارثة أنك تنسحب قبلها بدقيقة.
تترك الباب في اللحظة التي كان الصدق فيها يوشك أن يكتمل.

🏃 4. متلازمة "العميل المستعجل"

نتعامل مع الدعاء بعقلية العميل:
"طلبت، تأخرت الخدمة، إذن أنسحب".

هذا كبرياء مبطن.
أنت عبد، والعبد لا يحدد للسيد متى يفتح الباب.

العبد يجلس على العتبة ويقول:
"إن طردتني فمن يؤويني؟ وإن منعتني فمن يعطيني؟".

الثبات على الباب ليس تكتيكاً.. بل إعلان عبودية.
أنت لا تنتظر الحاجة فقط، أنت تنتظر الرحمن.

💡 الخلاصة: احرق السفن الخلفية

إذا أردت أن يُستجاب لك، فأحرق سفن العودة.
أغلق كل المخارج الخلفية في عقلك.

عد إلى السجادة لا بعقلية المجرب، بل بعقلية المعدم.
وقل بصدق المضطر:

"يا رب، والله لو طال الوقوف، ولو جف الريق، ولو يئس الخلق..
أنا ليس لي رب سواك، وليس لي باب غير بابك.
لن أبرح حتى تبلغني مأمني، أو تقبض روحي وأنا ساجد على أعتابك.
فإما إجابة تنجيني، وإما رحمة تسعني".

من كان يرى الله خياره الوحيد.. لا يعرف معنى الملل.
والملل دليل قاطع على أن في القلب شريكاً ينتظر دوره.

مقالات ذات صلة

الأسئلة الشائعة

هل الملل من العبادة دائمًا علامة ضعف إيمان؟

ليس دائمًا؛ لكنه إن ارتبط بوجود بدائل داخلية أو خطة باء فهو علامة حاجة إلى محاسبة، وإلا فهو تحذير مهم من القلب.

ما العمل لو شعرت بالانسحاب من الدعاء؟

افحص قلبك؛ هل لديك بدائل؟ اعمل على إحراقها عمليًا ونفسيًا، وارجع إلى حالة المضطر الصادقة في الدعاء والثبات.

كيف أتحول إلى "مضطر" حقيقى عند الدعاء؟

ابدأ بتقليل الاعتماد على الوسائل والعلاقات كإمكان للفرج، وزد من تذكُّر فقر النفس وخضوعها، وعلِّم قلبك أن لا خيار له إلا باب الله.