أخطر ما يفعله الشيطان ليس أن يدفعك للمعصية مباشرة، بل أن يُبقيك في “الطاعة” مع انحرافٍ خفيّ في النية. نصف درجة فقط تكفي أن تغيّر وجهتك: تبدو في الضوء، لكنك تسير نحو الأنا. هذا النص يكشف كيف يقتل العجب النيّة بصمت، وكيف تتحول العبادة إلى مرآة إن لم تُحرس.
هذا النص تذكير تربوي يركز على محاسبة النية وتفتيش العجب والرياء، دون ادعاء إطلاق الأحكام على الأشخاص، وإنما تشخيص آفة داخلية قد تتسلل لكل قلب.
🕯️ أخطر ما يفعله الشيطان…
ألا يجرّك إلى الظلام،
بل أن يُمسك يدك، ويقودك في الضوء قليلًا…
ثم يحرّف وجهتك بميلٍ يكاد لا يُرى.
يمد لك طريقًا من الطاعة،
ويزرع تحت أقدامك خيطًا رقيقًا من السمّ…
سمّ لا يقتل الجسد،
بل يقتل النيّة.
تماما كما يفعل القبطان الخائن؛
لا يعكس اتجاه السفينة 180 درجة فجأة (لأن الركاب سيثورون)،
بل يغير الزاوية "درجة واحدة" فقط.
في البداية، تبدو السفينة في مسارها،
ولكن بعد ألف ميل، يجد الركاب أنفسهم في "الجحيم" بدلاً من "الجنة".
هذا الانحراف الدقيق هو ملعب الشيطان المفضل.
💭 النيات…
تلك البقاع الشفافة في القلب التي لا يراها أحد، لكنها موطن أعظم الحروب.
الشهوة تُفضَح…
الذنب يُصعقك ويُرجعك باكيًا…
لكن العُجب؟
يمشي معك كصديق،
يبتسم لك،
ير بت على كتفك،
ويهمس:
“ما شاء الله… أنت أفضل ممّا كنت.”
فتُصدّقه…
وتبدأ الحكاية من هنا.
وقد لا تسمع في داخلك يومًا صوتًا يقول: “أنا أفضل”…
لكن سلوكك سيتكفّل بقولها عنك بصوتٍ أعلى.
🔥 الشيطان لا يقف عند باب المعصية…
بل يدخل معك إلى المسجد،
يقف خلفك في الركعة،
يقرأ معك الذكر،
ويكتب معك الموعظة.
ثم يضع فوق عبادتك غبارًا ناعمًا…
لا يُرى إلا حين تُعرض الأعمال بين يدي الله.
💭 الشيطان لا يطفئ نورك…
بل يحركه نصف درجة.
ونصف درجة…
كفيلة أن تجعل قبلتك “الأنا”، لا الله.
تُصلي… لكن لتشعر أنك أطهر.
وتتصدق… لكن لتسمع الثناء.
وتنصح… لكن لتلمع صورتك.
فتتحول العبادة إلى مرآة…
وترى نفسك فيها أكبر من حجمها.
هنا لا يعود العُجب فكرةً تُقاوَم،
بل عادةً تُمارَس…
طريقة تلقائية في النظر والحكم والتعامل.
أنت هنا تمارس نوعًا من الشِّرك الخفي في التعظيم.
لقد حطمت الأصنام الحجرية (اللات والعزى)،
لكنك نصبت صنمًا جديدًا داخل المحراب اسمه "ذاتي المقدسة".
تطوف حوله،
وتسبح بحمده،
وتظن أنك تعبد الله،
وأنت في الحقيقة تتعلّق بـ "صورة العابد" التي رسمتها لنفسك.
🌙 ويبدأ السقوط الحقيقي حين ترى المنكسرين،
فتقول في قلبك: “لا يمكن أن أكون مثلهم.”
حين ترى مذنبًا ينهار،
ويعلو في داخلك صوتٌ خافت يقول:
“أنا أفضل.”
وهذه اللمحة الصغيرة…
كفيلة أن تردم بينك وبين الله ما لا تردمه عبادات السنين.
هذه اللمحة هي "ميراث إبليس" في دمك.
حين قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ﴾، طُرد من الرحمة وهو الذي كان يعبد الله لآلاف السنين.
كلمة "أنا" في مقام العبودية هي انحراف شعوري خطير؛
لأنك نازعتَ مقام التعظيم الواجب لله.
🕯️ السقوط لا يحدث بضجة…
يحدث في هدوء خبيث.
يأتي على هيئة لحظة رضا عن النفس،
ابتسامة صغيرة بعد طاعة،
نظرة خاطفة لعيوب الآخرين،
وهمسةٍ تلمع كالسهم:
“أنت بخير.”
وهذه الجملة…
هي أول خطوة نحو الهاوية.
💭 كم من عبدٍ نجا من ذنبه،
وهلك من نظرةِ ازدراءٍ ألقتها روحه على مذنب.
وكم من شخصٍ ضلّ الطريق…
لا لأنه ترك العبادة،
بل لأنه ظنّ أن العمل وحده يُوصله.
وأخطر ما يلقيه الشيطان في قلبك،
أن يهمس لك “أنت ناجٍ مهما فعلت.”
أن يجعل قلبك ينام وهو يظن نفسه مستيقظًا.
أن يُقنعك أن أبواب الجنة فُتحت لك وحدك.
وحين تخرج من الموعظة دائمًا في صفّ “الناصح” لا “المتَّهَم”،
فاعلم أن القضية لم تعد خاطرًا عابرًا…
بل نمط تشغيلٍ مستقرّ.
🌧️ الشيطان لا يختبرك بالشهوة…
بل بالضوء.
يُريك نفسك متلألئة في المسجد…
ثم ينفخ في قلبك ذرة كِبر،
تخفت أمامها كل السجدات.
ويُريك يدك عامرة بالعطاء…
ثم يزرع في أعماقها نشوة الفضل،
فتسقط الصدقة قبل أن ترتفع.
ويجعل من نصيحتك سراجًا…
لكن زيتَه من غرورك، لا من نور الله.
🕯️ ثم يتركك تتوهّم النصر…
تطارد شياطين من خيالك،
بينما الشيطان الحقيقي جالسٌ في داخلك،
هادئًا…
مطمئنًا…
لأنه انتصر دون معركة.
💭 تخيّل رجلًا يسجد طويلًا،
يبكي حتى يبتلّ موضع جبينه…
لكن بينما تنهمر دموعه،
تعلو في داخله همسات صغيرة…
همسات لا يسمعها غيره:
“كم أنا خاشع الليلة.”
“لو رأوني الآن… لقالوا: ما أرقّ قلبه.”
“أنا لست مثل أولئك الغافلين.”
خواطرٌ خفيفة،
شفافة كالدخان،
لكنها تحوم حول قلبه كأنها تُريد أن تلتقط صورته وهو يبكي.
وفجأة… تصبح السجدة مسرحًا،
وتتحوّل الدموع إلى مرآة،
يرى فيها نفسه بدلًا من ربّه.
وهنا يضيع كل شيء؛
فالدمعة التي ترى انعكاس صاحبها… يُخشى ألا تُرفع.
والخشوع الذي يتغذّى على صورته… يخسر قيمته قبل أن يخرج من القلب.
الخواطر قد تختبئ وتتلوّن، وقد تقنعك أنك بخير…
أمّا السلوك فلا يكذب،
هو الترجمة الصامتة لما استقرّ في القلب.
يتحول الأمر إلى عملية "تزوير عملة" متقنة.
أنت تطبع ملايين الحسنات (صلاة، صيام، بكاء)،
الورق يبدو أصلياً، والجهد حقيقي،
لكن ينقصها "العلامة المائية" الوحيدة التي يقبلها البنك الإلهي: (التجرد).
فتأتي يوم القيامة بحقائب مملوءة،
ويُخشى أن يُقال لك:
هذه عملة مزورة،
كُتب عليها "لله" ولكن صُرفت لـ "نفسك".
🌿 الثناء… غذاء خطير.
يمدحونك… فيرتفع صوت داخلي يقول: “أنا مؤثر.”
يمتدحون مواعظك… فيهمس الشيطان: “كم يحبك الله.”
وتنسى أن المدح ليس رزقًا…
بل اختبارًا يكشف هشاشة القلب.
💭 إن الشيطان لا يريد أن يبعدك عن الله…
بل أن يُبقيك قريبًا منه،
لكن بقلبٍ ليس لله.
يريدك أن تطوف حول أعمالك…
كأنها الكعبة.
وأن تجعل “أنا” محرابك الحقيقي،
وإن امتلأ لسانك بذكر الله.
🕯️ فاحذر من طاعةٍ تلمع أكثر ممّا تُنير.
واحذر من عملٍ يُسمع أكثر ممّا يُرى عند الله.
واحذر من قلبٍ يرضى عن نفسه… قبل أن يرضى ربّه عنه.
🌙 إن رأيت فيك خيرًا… قل: “اللهم هذا فضلك.”
وإن رأيت غيرك يسقط… قُل: “اللهم ثبّتني قبل أن أسقط مثله.”
فالشيطان لا يجرّك نحو ذنب غيرك…
بل يرفعك سنتيمترًا واحدًا فوقه في قلبك،
ثم يغادر مطمئنًا…
فهذا الارتفاع وحده كافٍ لإسقاطك.
ولعلّ "أنين" مذنبٍ منكسرٍ يقول (يا رب ارحمني)،
يخترق حُجب السماء أسرع من "طنين" مسبحة عابدٍ معجبٍ يقول (أنا من الناجين).
الله ينظر إلى القلوب فيجد فيها "الفقر" قبل "الكثرة".
💭 هل أدركت الآن لماذا كان أكثر دعاء النبي ﷺ:
“اللهم يا مقلب القلوب، ثبّت قلبي على دينك”؟
لأن القلب لا يسقط بذنوب الجوارح…
بل بذبذباتٍ خفيةٍ في النية،
ولأن أخطر الانحرافات لا تُرى،
ولأن خطوة واحدة من العُجب
أخطر من ألف خطوة من الذنب.
فلو كان قلبُ خير البشر يخاف التقلّب…
فكيف بقلوبٍ لا تعرف ثباتًا بلا رحمة الله؟
💭 لأن أسهل سقوط…
ليس أن تُخطئ،
بل أن تُحسن… ثم ترى إحسانك في المرآة،
فتبتسم،
وتقول:
“أنا بخير.”
مقالات ذات صلة
الأسئلة الشائعة
كيف أعرف أن عملي لله أم لنفسي؟
راقب ما يحرّك قلبك: هل يفرح بمدح الناس أكثر من ستر الله؟ وهل يتضخم داخلك بعد الطاعة بدل أن يزداد خوفًا من عدم القبول؟
لماذا العجب أخطر من الذنب أحيانًا؟
لأن الذنب قد يكسرك فيردك إلى التوبة، بينما العجب قد يزيّنك فيُفسد النية ويجعل الطاعة نفسها سبب هلاك.
ما أقرب خطوة عملية لحراسة النية؟
بعد كل طاعة، استحضر الفضل لله واطلب القبول، وتعامل مع ثناء الناس كاختبار لا كدليل نجاة.