خدعة نقطة البداية من أخطر خدع النفس: أن تتخيل أنك أنت من بدأ الطريق، وأن الطاعة “إنجاز شخصي” لا توفيق. هنا نعيد ترتيب الميزان: أسبقية الفضل، وكيف قد تكون كل خطوة خير سبقتها جذبة ورحمة، لا “عبقرية اختيار”.
هذا النص تأمّلٌ تربوي يهدف إلى كسر وهم “أنا من بدأ”، واستحضار أدب العبد مع فضل الله وتوفيقه، دون تحويل الطاعة إلى منصة للمنّ أو التفاخر.
🌌 خُدعَةُ "نُقطَةِ البِدَايَة"...
(حينَ تَظُنُّ أنَّكَ "أنتَ" مَن طَرَقَ البَاب!)
(عن "أسبقيَّةِ الفَضل"... وهَل جِئتَ بـ "قَدَمِكَ" أم جِئتَ بـ "جَذبَتِهِ"؟)
دعنا نكسر "صنم الاستقلالية" الذي نعبده من دون الله.
أنت تظن أنك استيقظت للفجر بـ "قوة إرادتك" الحديدية.
وتظن أنك تركت المعصية بـ "نبل أخلاقك".
وتظن أنك رفعت يدك للدعاء بـ "عبقرية اختيارك".
هذه هي "الوهم الأكبر".
الحقيقة العارية التي يهرب منها "الإيجو" (Ego) هي:
أنت لم تأتِ.. بل "أُتِيَ بك".
أنت لم تستيقظ.. بل "أوقِظت".
أنت لم تذكر.. بل "أُجري الذكر على لسانك".
لولا أن الله ألقى في قلبك "خاطرة الخير" ابتداءً، لما تحرك فيك عِرق، ولما نطق لسانك بحرف.
أنت لست "المُبادِر".. أنت "المُستجِيب".
⚡ 1. جِهَازُ "إنعَاشِ" القَلبِ (The Spiritual Defibrillator)
تخيل مريضاً توقف قلبه تماماً (Cardiac Arrest). هل يملك هذا المريض "القدرة" أو "الإرادة" ليقرر أن ينبض قلبه من جديد؟
مستحيل. هو في حكم "الموتى".
الحياة تعود إليه فقط حين يأتي الطبيب بصعقة كهربائية خارجية (Defibrillator) ليعيد تشغيل القلب.
حالتك مع الطاعة تشبه هذا تماماً.
قلبك كان "ميتاً" بالغفلة، بارداً، لا ينبض بذكر الله.
فمن الذي أرسل تلك "الصعقة الإيمانية" المفاجئة التي جعلتك تبكي؟
من الذي أرسل "النبضة الأولى"؟
إنه الله.
هو "المحيي".
تلك الدمعة لم تكن منك.. كانت "أثراً" لصعقة الرحمة التي أيقظت موات قلبك.
فيا لخجلنا.. يُحيي قلوبنا بفضله، ثم ننسب "الحياة" لأنفسنا!
🧲 2. قَانُونُ "الجَاذِبيَّةِ" العَكسِيَّة
في الفيزياء الروحية: الوضع الافتراضي للإنسان – بعد أن يترك على هواه ويُوكَل إلى نفسه – هو "السقوط" (اتباع الهوى/الجاذبية الأرضية).
﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾.. هذا هو "نظام التشغيل" عند الانفلات من الهداية، لا عند أصل الخِلقة؛ فالأصل فطرة، لكن تُغطَّى وتُحجَب إذا تُركت بلا نور.
فإذا وجدت نفسك فجأة "ترتفع" عكس الجاذبية (تتصدق، تعفو، تغض بصرك)..
فاعلم يقيناً أن هناك "قوة علوية" تدخلت لرفعك.
هذا ليس "طيرانك".. هذه "رافعة" التوفيق حملتك.
أنت مثل "طائرة ورقية"..
لولا "خيط" المدد الذي يمسك بك، ولولا "رياح" اللطف التي تدفعك، لكنت الآن ملقىً على الأرض ممزقاً.
فمجرد وجودك "فوق" هو دليل على أن يداً خفية تمسك بخيطك.. فلا تتباهَ بـ "التحليق" وأنت محمول!
📨 3. بِطَاقَةُ "الدَّعوَةِ" المَلَكِيَّة (VIP Access)
تخيل متسولاً بملابس رثة، دخل فجأة إلى قصر ملكي وبدأ يأكل من المائدة الفاخرة، ثم التفت للناس وقال: "أنا دخلت بذكائي وجرأتي!".
سيضحك العقلاء ويقولون: "يا مسكين، لولا أن الحراس عند البوابة تلقوا أمراً بـ (السماح لك)، ولولا أن الخدم (غسلوك وألبسوك)، لما شممت رائحة الطعام".
وقوفك على سجادة الصلاة هو "دخول للقصر".
هل تظن أنك دخلت رغماً عن الملك؟ حاشاه.
هو الذي "أذن" لك أن تقف.
كم من ذكي، فصيح، قوي.. "طُرد" من الباب، فحُرم سجدة واحدة، وصُرف عن الخير رغم أنف ذكائه؟
وأنت (الضعيف المذنب) فُتح لك الباب!
هذا "اصطفاء" لا "ذكاء".
﴿وَلَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ﴾.. هو الذي وضع "السكر" في الدواء لتشربه، فلا تمنن عليه بأنك شربت!
🕯️ 4. وَهمُ "المِرآة" و"الشَّمس"
أنت مجرد "مرآة".
المرآة في الغرفة المظلمة لا تساوي شيئاً (زجاج بارد ومعتم).
حين تشرق الشمس، تلمع المرآة وتعكس النور بقوة وتبهر العيون.
هل النور ينبع "من" المرآة؟
لا.. النور "فيها" وليس "منها".
مصدره الشمس، والمرآة مجرد "محل" لظهوره.
صلاحك، خشوعك، دمعتك.. هي "نور الله" انعكس على مرآة قلبك.
فإذا غابت شمس توفيقه لحظة واحدة.. عدتَ زجاجاً معتماً لا يرى أحدٌ فيه شيئاً.
فإياك أن تقول "أنا أضيء".. بل قل "أنا أُضاء".
وهنا افهم الميزان جيدًا:
الطاعات نفسها هدايا من الله يتفضل بها على عباده؛ هو الذي فتح بابها، وهو الذي يسّر طريقها، وهو الذي أعان عليها.
فكيف تجعل “الهدية” ثمنًا؟ وكيف تحوّل “التوفيق” إلى عملة مقايضة؟ وكيف تتوهم أن ما لم يكن ليقوم إلا بإذنه صار “رصيدًا” تفاوض به ربك؟
إذا كان النور من الشمس، فالمرآة لا تتباهى باللمعان، بل تخجل؛ لأنها تعلم أن الفضل ليس لها، وإنما عليها أن تبقى نظيفة فقط ليظهر النور فيها.
💡 الخلاصة: أَدَبُ "اللاَّ شَيء"
يا صديقي..
في المرة القادمة التي يوفقك الله فيها لعمل صالح.. عض على لسانك قبل أن تقول "أنا فعلت".
واستحضر مشهد الغريق الذي انتُشل من الموج في آخر لحظة.
هل يخرج الغريق ليقول: "انظروا كيف سبحت"؟
أم يخر ساجداً لمن أرسل القارب؟
نحن غرقى في بحر الذنوب.. والطاعة هي "القارب" الذي أرسله الله.
نحن "أوعية" فارغة..
فإذا امتلأ الوعاء بالعسل، فالفضل للنحلة التي وضعت العسل، لا للوعاء الذي حمله.
تذكر دائماً المعادلة التي تكسر الكبر:
الله هو الذي أيقظك (بالخواطر)، وأنت الذي قمت (بالجوارح).
الله هو الذي فتح الباب (بالتيسير)، وأنت الذي دخلت (بالسلوك).
فلولا "يقظته" ما قمت، ولولا "بابه" ما دخلت.
فـالزم غُبار "الفضل".. وإياك وجنون "الأنا"..
فأنت بالله "كل شيء".. وبنفسك "لا شيء".
مقالات ذات صلة
الأسئلة الشائعة
هل الطاعة دليل فضلٍ من العبد على الله؟
لا. الطاعة نفسها من توفيق الله وتيسيره، والعبد يتأدب معها بالشكر والخوف من العجب، لا بالمنّ أو التفاخر.
كيف أعرف أن “الأنا” تسللت إلى عبادتي؟
إذا صار حديثك الداخلي يكرر “أنا فعلت” و“أنا استحق” أكثر من “وفّقني الله” و“رحمة الله”، فهذه علامة تسلل العجب ووهم الاستقلالية.
ما التصرف العملي بعد أي عمل صالح؟
اثبت الفضل لله أولًا، ثم اسأله القبول والثبات، وفتّش عن أثر الطاعة في تواضعك وخشيتك، لا في تضخم صورتك أمام نفسك أو الناس.