وهمُ الرصيد البنكي… (حين تظن أنك “عميل VIP” عند الله!)

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

🏦 وهمُ الرصيد البنكي… (حين تظن أنك “عميل VIP” عند الله!)

❄️ هل تعصي الله بـ “برود احترافي”؟
هل يحدث حين تزلّ قدمك أن يتوقف “جهاز الإنذار” في قلبك عن الرنين، فلا تهلع ولا ترتعد، لأن صوتاً خبيثاً يهمس في قاع وعيك: “لا بأس.. رصيدك يسمح”؟

تَرْتَكِبُ الخَطِيئَةَ وَيَدُكَ لَا تَرْتَجِف، وَقَلْبُكَ لَا يَنْبِضُ بِالخَوْف، وَكَأَنَّكَ تَقُومُ بِعَمَلِيَّةِ سَحْبٍ نَقْدِيٍّ رُوتِينِيَّةٍ مِنْ صَرَّافٍ آلِيّ!

⚠️ إذا كان هذا الشعور مألوفاً لديك، فأنت لم تعد في مقام العبودية.. أنت تتعامل مع “بنك” في داخلك وبمنطقٍ نفسيٍّ خفيٍّ.

💳 لقد تحوّل تاريخك الديني في حسّك الباطن إلى “أصول مجمّدة”: قيامك، نصرتك للدين، حجابك، صدقاتك..
كلها تحولت من “قربات” ترجو قبولها، إلى “ودائع” تتوهّم لك “حصانة دبلوماسية” كأنها ثابتة ومضمونة.
تتصرف وكأنك تملك “بطاقة عضوية ذهبية” (Gold Membership) تمنحك حق ارتكاب بعض “المخالفات المعفية” التي لا تُسمح لـ “العوام” في ظنّك لا في الشرع.

لَقَدْ نَصَبْتَ نَفْسَكَ "إِلَهاً" صَغِيراً يُدِيرُ حِسَابَاتِ السَّمَاءِ بِمِزَاجِه، وَأَعْطَيْتَ لِذَاتِكَ (حَصَانَةً) لَمْ يَمْنَحْهَا اللهُ لِأَنْبِيَائِه!

💭 وحين تمتد يدك للحرام، لا تقول لنفسك: “أنا أعصي الله”.
بل يخرج التبرير بزيّ المحامي البارع:
“أنا ابن المحراب.. أنا من نصرت الدين يوم تخاذل الناس.. الله يعلم أن معدني ذهب، وهذا الوحل مجرد (سحابة صيف) لن تلتصق بي. أنا لست مثل هؤلاء الغافلين؛ أنا لي (تاريخ) يشفع لي، ولي (سابقة) تحميني!”.
كأن الماضي صار صكًّا، وكأن القبول صار مضمونًا.

أَنْتَ هُنَا لَا تَعْصِي بِشَهْوَةِ (الضَّعِيف)، بَلْ بِوَقَاحَةِ (المُسْتَغْنِي).
تَغْمِسُ تَاجَ طَاعَتِكَ فِي الوَحْل، وَتَنْتَظِرُ أَنْ يَظَلَّ يَلْمَع!

⚖️ هنا لا تقع معصية عابرة، بل تقع “مقايضة صامتة”:
أنت تمنّ على الله بماضيك، لتشتري به “صك غفران مسبق الدفع” لحاضرك، في وهمٍ داخليٍّ خطير.

🧮 في الغرف المظلمة للعقل، يعمل “نظام مقاصة” لا يُصرّح به:
(ألف حسنة في الرصيد القديم – عشر سيئات طارئة = ما زلنا في المنطقة الخضراء)

مِثَالٌ صَاعِق:
تَخَيَّلْ "جِنِرَالاً" فِي الجَيْش، خَاضَ مَعَارِكَ طَاحِنَة، وَعَلَّقَ نَيَاشِينَ النَّصْرِ عَلَى صَدْرِه.. وَفِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَة، قَامَ بِتَسْرِيبِ شِفْرَةِ الدَّوْلَةِ لِلأَعْدَاء!
حِينَ يُقْبَضُ عَلَيْهِ، هَلْ سَيَقِفُ أَمَامَ المَلِكِ لِيَقُول: "اِخْصِمُوا هَذِهِ الخِيَانَةَ مِنْ رَصِيدِ مَعَارِكِي السَّابِقَة"؟!
بِالطَّبْعِ لَا! خِيَانَةٌ وَاحِدَةٌ عَنْ عَمْدٍ وَاسْتِعْلَاء.. تَنْزِعُ الرُّتَبَ، وَتُعَلِّقُ المِشْنَقَة.

عِنْدَمَا تَتَعَمَّدُ المَعْصِيَةَ بِثِقَةِ (المُدِلِّ بِطَاعَتِه).. أَنْتَ لَا تُخْطِئ، أَنْتَ تُمَارِسُ "الخِيَانَةَ العُظْمَى" فِي مَمْلَكَةِ الله!
وكأن الميزان مجرد أرقام لا قلوب.

وهكذا تتحول العلاقة من “عبودية” يملؤها الافتقار، إلى “شراكة تجارية” يحكمها حساب الأرباح والخسائر في تصور النفس.
نسيتَ كارثة واحدة: أن الله ليس “مدقق حسابات”.. الله غيور، فلا يُعامل ببرود المقاصة ولا بعقلية الاستثناء.

🔻 وذنبٌ واحد يُفعل بقلبٍ واثقٍ مستكبر، قد ينسف جبالاً من الطاعات فُعلت بقلبٍ مُدِلٍّ مغرور.
والخطر هنا في حال القلب لا في رقم الفعل.

إبليس لم يكن فقير رصيد؛ كان عَابِداً بَلَغَ مَنَازِلَ المَلَائِكَةِ المُقَرَّبِين، لكنه سقط للأبد بذنبٍ واحد دخله الكِبر، فالمهلكة قد تكون في الاستعلاء لا في قلّة العمل.

السُّقُوطُ مِنَ الطَّابِقِ المِئَةِ لَيْسَ كَالسُّقُوطِ مِنَ الطَّابِقِ الأَوَّل..
كُلَّمَا ارْتَفَعْتَ بِطَاعَتِكَ ثُمَّ عَصَيْتَ بِكِبْر، كَانَ التَّهَشُّمُ أَرْعَب وَالكَسْرُ أَمَرّ!

🧱 أنت بنيتَ بطاعاتك “سوراً عالياً”..
كان الغرض منه أن يحميك من الذنوب، لكنك بذكاء شيطاني استخدمته للعكس:
أصبحت تختبئ “خلف السور” لتعصي الله وأنت آمن من نظرات الخلق!
فيتحوّل الستر في شعورك من نعمةٍ تردع إلى غطاءٍ يجرّئ.
تقول لنفسك: “سمعتي، ووقاري، وهذا السور العالي، سيحجبني عن الفضيحة”.

أنت تستخدم الستر الذي أسبغه الله عليك كدرع، كأنك تحارب به الله؛ أي: تتذرّع به لتستمر لا لتتوب.
أَنْتَ تَسْرِقُ سَتَائِرَ حَرَمِ المَلِك.. لِتُخْفِيَ بِهَا قَذَارَتَكَ السِّرِّيَّةَ فِي حَضْرَتِه!

🛡️ تجلس متربعاً في “منطقة كبار الزوار” (VIP Lounge) داخل نفسك،
حيث المشروبات المحرّمة تُقدَّم “مجاناً”،
لأن الفاتورة – في ظنك – قد دُفعت سلفاً بصلواتك،
وكأن الطاعة ثمنٌ يشتري الإعفاء.

لَقَدْ صَنَعْتَ "عِجْلاً" مِنْ ذَهَبِ طَاعَاتِكَ، وَجَلَسْتَ تَعْبُدُهُ وَأَنْتَ تَظُنُّ أَنَّكَ تَعْبُدُ الله.

💡 العلّة السرطانية هنا ليست في “العمل”، بل في “الركون إليه”.
مشكلتك أنك وقّعت “إيصال القبول” بنفسك لنفسك قبل أن تُعرَض على الله.
من أين لك هذا اليقين بأن رصيدك “مقبول” أصلاً لتتكئ عليه؟

مَنْ أَخْبَرَكَ أَنَّ صَلَوَاتِكَ طِيلَةَ عِشْرِينَ عَاماً لَمْ تَكُنْ مَلِيئَةً بِالرِّيَاءِ وَالعُجْبِ فَرُدَّتْ فِي وَجْهِك، وَأَنَّ رَصِيدَكَ الحَقِيقِيَّ عِنْدَ اللهِ (صِفْر)؟!

العارفون كانوا يعملون أمثال الجبال، وتخلع قلوبهم آية:
﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾.

أما أنت.. فالقليل يكفيك، والنوم يأتيك هادئاً، لأنك تظن المقعد محجوزاً، وأن ذنوبك الحالية ليست إلا “خدوشاً بسيطة” في طلاء سيارتك الفارهة، لا تؤثر على سعرها.
🚘 وهذا من أخطر أوهام النفس حين تُسكّن خوفها بالتاريخ.

⚠️ هذا ليس حسن ظن.. هذا مكر؛
من صور مكر النفس، ومن صور الأمن المضلِّل.
أن يُشعرك العمل بالأمان، ويُخدِّر خوفك، حتى قد يُخشى أن تُسلب إيمانك في لحظة مباغتة لا تتوقعها؛
أي: تُسلب يقظتك وخشيتك أولاً، ثم يتسع الخلل.

⛔ لا توجد هنا “وصفة علاج”؛
لأن مشكلتك ليست جهلاً بالحكم، بل أمناً من العقوبة أو توهّم أمنٍ منها.
ما دمت ترى لك “رصيداً”، فأنت محجوبٌ عن الملك بغشاوة الاستحقاق.
وما دمت تتكئ على “تاريخك”، فأنت واقفٌ أمامه منتصب القامة لا منكسر الظهر في شعورك، لا في الحقيقة.

الحقيقة التي تفرّ منها:
ذنبٌ يكسرك ويُذلّك بين يديه الآن..
قد يكون عند الله أرجى لك وأطهر من “تاريخك النضالي” الذي جعلك تشعر أنك في مأمن،
لأنه يعيدك إلى الافتقار بدل الاستحقاق.

البنك وهم.. والحصانة كذبة.
أنت لست “شريكاً” له حقوق.. أنت عبد لا يملك شيئاً.

🔒 واللحظة التي تشعر فيها أنك في “أمان” تام من تدبيره..
قد يُخشى أن تكون هي اللحظة التي أُطبِقَ فيها الفخ عليك بصمت؛
أي: يبدأ الاستدراج وأنت لا تشعر، لا لأنك تملك حصانة، بل لأنك فقدت الخوف.

الْهُدُوءُ الَّذِي تَشْعُرُ بِهِ وَأَنْتَ تَعْصِي لَيْسَ (سَكِينَةَ رِضَا).. إِنَّهُ الصَّمْتُ المُرْعِبُ الَّذِي يَسْبِقُ إِغْلَاقَ المِقْصَلَة!


🔗 اقرأ أيضًا

```0