«مولّد الطوارئ»…
(حين نلجأ إلى الله عند “انقطاع التيار” فقط!)
(عن تدين “النسخة الاحتياطية” Backup Power)
لنعترف بالحقيقة:
كثيرٌ منّا لا يعتمد على الاتصال بالله كمصدر طاقة دائم (Main Grid) في حياته اليومية، بل يتعامل معه — في أوقات غير قليلة — كـ «مولّد طوارئ احتياطي» (Backup Generator). هذا المولّد يقبع في قبو القلب، صامتًا، ومهمَلًا، ومغبرًّا. نحن مبرمجون على العمل بـ “الأسباب الأرضية”: نثق في الراتب، ونطمئن للصحة، ونركن للعلاقات.
لكن… بمجرد أن يحدث «انقطاع مفاجئ» (Blackout) في حياتنا (مرض لا علاج له، إفلاس، خوف)… نهرع فورًا لتشغيل “مولّد الدين”. نكسر الزجاج الواقي بلهفة، وننفض غبار السنين عن مصحفٍ أو سجادة، كأننا نتعامل مع “مسكن آلام” طارئ لا مع ربّ العالمين.
﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَىٰ ضُرٍّ مَسَّهُ﴾
(يونس: 12)
1) التشغيل الاضطراري (Kick-start)
لاحظ نفسك في الأزمة:
عبادتك تكون “عالية الصوت” و“كثيفة الدخان” مثل المولدات القديمة. نصلّي بخشوع مبالغ فيه، ونبكي، وننذر النذور. هذا ليس “إيمانًا مستقرًا”… هذا «ضجيج الخوف». أنت لم تشغّل هذا الخط لأنك تحب “النور”، بل لأنك خائف من “الظلام”.
تستخدم الدين كـ “طاقة بديلة” لأن الأسباب الأرضية خذلتك، لا لأنك اخترت الله ابتداءً.
تأمل دعاءك حينها؛ إنه يشبه صراخ غريقٍ يبحث عن خشبة ليتشبث بها، لا نداء مُحبٍّ يبحث عن محبوبه. أنت لا تبكي شوقًا للوصال، بل ترتعد رعبًا من الغرق.
تخيّل نفسك واقفًا ترتجف أمام باب طبيبٍ تنتظر نتيجة فحصٍ مرعب، أو تنظر إلى شاشة هاتفك بعد خسارة كارثية. في تلك اللحظة الخانقة، خواطرك لا تهمس: “يا رب، افتقدتُ الأنس بك”، بل تصرخ بلهفة التاجر المذعور: “يا رب، نجّني هذه المرة فقط! أقسم أنني سأتغير، سأصلي الفجر، سأترك تلك العلاقة، سأتصدق… فقط اجعل النتيجة سليمة!”. دعاؤك هنا ليس مناجاة؛ إنه مفاوضات فِدية تحت تهديد الخوف، وصفقة مشروطة للنجاة بجلدك.
2) مفتاح التحويل التلقائي (Auto-Switch)
المشكلة النفسية تكمن في “الآلية”. بمجرد أن تعود “الكهرباء الدنيوية” للعمل (يشفى المريض، تنتهي المشكلة المالية)… ماذا يفعل نظامك النفسي؟ يضغط فورًا زر “إيقاف التشغيل” (Shut Down) للمولّد الديني.
لماذا؟ لأنك تشعر أنك “لم تعد بحاجة” إليه. عاد الراتب، وعادت الصحة… وكأن لسان الحال يقول: “شكرًا يا رب، سأتولى الأمر من هنا”.
أنت تفصل الخط الساخن مع الله، وتعود للاعتماد على “الشبكة الأرضية”. بمجرد أن تُضاء غرفتك بنور الأسباب، تُغلق باب السماء ببرود، وتتصرف وكأن هذا الإله الذي كنت تتوسل إليه البارحة قد انتهى دوره الوظيفي في حياتك.
وهذا خلل في ميزان الاعتماد القلبي على الأسباب، لا في أصل الإيمان، ولا ينكشف غالبًا إلا في أوقات الرخاء.
3) وقود “المصلحة”
المولّدات تعمل بالوقود. و“مولّد التديّن” عند كثيرين لا يعمل بوقود “المحبة”، بل بوقود “الحاجة”. ولذلك يكون هذا التديّن مؤقتًا بطبعه. بمجرد نفاد “الحاجة” (انتهاء المصيبة)، ينفد الوقود فينطفئ المولّد.
لا توجد استمرارية. العبادة تتحول إلى نبضات تظهر في الرسم البياني عند الكوارث فقط، ثم تعود إلى الخط المستقيم (الخمول القلبي) في الأيام العادية. وهذا الوقود الرخيص يحترق بسرعة ليترك في القلب رمادًا من الجفاء؛ فالعبادة التي تُولد من رحم “الأزمة” فقط، تُدفن فورًا في مقبرة “العافية”.
4) خطر “الصدأ” (Rust Risk)
المهندسون ينصحون بتشغيل مولّد الطوارئ دوريًا حتى لا يصدأ. ونحن نترك قلوبنا خاملة سنوات في الرخاء، ثم نتوقع منها أن تعمل بكفاءة في الشدة.
الخطر الحقيقي أن تأتي عاصفة كبرى (كسكرات الموت مثلًا)، فنحاول تشغيل المولّد… فيُخشى أن يكون ضعيف الاستجابة بسبب طول الهجر. يحاول القلب استحضار الذكر أو حسن الظن أو ما يثبّته، فيجد مشقة واضطرابًا ورهبة، لا لأن الله خذل عبده — حاشاه — بل لأن القلب الذي أُهمِل طويلًا لم يُدرَّب على الثبات في اللحظات الحرجة.
تخيل الرعب حين تسحب حبل النجاة بيدك المرتجفة في آخر أنفاسك، فتكتشف أن محرك قلبك قد تصلّب من فرط الهجران، فيخونك لسانك عن النطق بالشهادة لأنك لم تُزيّت تروسه بالذكر في أيام الرخاء.
الخلاصة: لا تؤجّل النور إلى لحظة الانطفاء
الرجوع إلى الله عند الكسر وحده فهمٌ ناقص؛ فالله ليس حلًا طارئًا، بل أصل الطمأنينة كلّها. لا يصح أن يكون حضوره في حياتك إسعافًا متأخرًا.
اجعل اتصالك به دائمًا لا ظرفيًا؛ لا باندفاع الطوارئ ثم إهمال الأيام العادية، بل بثباتٍ صغيرٍ لا يسقط: وِردٍ لا ينقطع، وذكرٍ لا يُعلَّق على المزاج، وركعتين لا تُؤجَّلان حتى “تتحسّن الظروف”.
أدخل الله في قراراتك قبل أن تُدخله في كوارثك؛ اسأله في اختياراتك كما تسأله في مصائبك، وراقبه في صفقتك كما تراقبه في مرضك، فمن لا يراه حاضرًا في لحظة القرار، سيبقى لا يراه إلا في لحظة الانهيار.
استخدم الأسباب، لكن لا تُعلِّق قلبك بها؛ اعمل وخطِّط وتداوَ، ثم اجعل طمأنينتك بالله لا بما في يدك، فمن انهار قلبه مع اهتزاز سبب، كان متصلًا بالسبب لا برب السبب.
ودرِّب قلبك على الرجوع إليه في الصغير قبل الكبير؛ فإن من لا يعرف طريق السماء في التفاصيل اليومية، سيعرفه في العواصف بذعر لا بسكينة.
اجعل اتصالك به دائمًا لا ظرفيًا، في النجاح كما في تعثّر الأسباب.
من عاش على مصادر مؤقتة عاش خائفًا من الانقطاع، ومن اتصل بالله لم يخف الظلام.
فالذي لا يعرف طريق السماء إلا وقت العواصف، قد تضيع منه الخريطة حين تشتد ظلمة القبر.