🔭 شيفرة الودّ: حين يعطيك الله كلمة السر لقراءة القدر
عن “تحديث البصيرة”: كيف يتغيّر معنى الألم عند المحبوبين؟
لنصحّح المفهوم الشائع:
حبّ الله للعبد لا يعني تحويل حياته إلى “جنة أرضية” خالية من المنغّصات (فقد ابتُلي أحبّ خلقه إليه ﷺ).
ولا يعني أن الطريق سيُفرش لك بالورود، ولا أن الرياح ستكفّ عن العصف، ولا أن الأبواب ستُفتح بلا مقاومة.
حبّ الله هو عملية تغيير العدسة.
ليس تغيير المشهد… بل تغيير العين التي ترى المشهد، وتغيير القلب الذي يفسّر ما يرى.
تخيّل أن الدنيا غرفة مظلمة مليئة بالأثاث (الابتلاءات).
الناس يتعثّرون ويصرخون ويلعنون الظلام، ويظنّون أن المشكلة في الغرفة، وفي الأثاث، وفي الطريق.
أمّا من أحبّه الله، فقد ألبسه “نظارة رؤية ليلية”.
هو يمشي في نفس الغرفة، ويصطدم بنفس الأثاث، لكنه لا يصرخ، بل يبتسم؛ لأنه “يرى” ما لا يرون.
هو لا يملك طريقًا أسهل… لكنه يملك قراءة أعمق لما يحدث له، ومعنى أبعد مما يراه غيره.
📜 1. إعادة تعريف المصطلحات (Re-defining Terms)
حين يحبّك الله، يغيّر “قاموسك” الداخلي.
لا يغيّر الأحداث… بل يغيّر اللغة التي تفسّر بها الأحداث.
-
عند العامة: المنع = غضب / حرمان
-
عند المحبوب: المنع = حماية / دفاع
-
عند العامة: الألم = انتقام
-
عند المحبوب: الألم = عملية تطهير
أنت تقرأ “رسالة القدر” بلغة مختلفة.
لغة لا تقف عند ظاهر الجملة، بل تغوص إلى مقاصدها الخفيّة.
حيث يرى الناس “نارًا”، ترى أنت “نورًا” مختبئًا.
وحيث يرون نهاية، ترى أنت بداية تُصاغ في الخفاء.
هذه القدرة على “فكّ التشفير” هي أعظم علامات الودّ،
لأن الله لم يغيّر ما يجري حولك… بل غيّر ما يجري فيك.
💉 2. المناعة الروحية (Spiritual Immunity)
حبّ الله لا يمنع عنك “فيروسات” الدنيا (الحزن، الفقد، الخوف).
فأنت ما زلت إنسانًا، تتألم، وتحزن، وتنكسر، وتبكي.
لكنه يمنحك “جهازًا مناعيًا” شرسًا.
الإنسان العادي إذا أصيب بمصيبة، ينهار ويدخل العناية المركّزة نفسيًا لسنوات.
تظلّ الجراحة في روحه مفتوحة، وينزف داخليًا مع كل ذكرى.
أمّا المحبوب، فيمرض (يحزن)، لكن مناعته (الرضا) تقاوم المرض بسرعة مذهلة.
يتألم… نعم.
لكنه لا ينهار.
ينكسر… لكنه لا يتفتّت.
الحبّ الإلهي هو: سرعة التعافي، لا عدم الإصابة.
هو أن تُصاب… لكن لا تُهزم.
وقد تحدّثنا سابقًا عن وهم التدين المؤقت في مقال: لماذا نلجأ إلى الله وقت الشدة فقط؟
🔐 3. سياسة “الاحتكار”
هذه نقطة عميقة جدًا.
إذا أحبّ الله عبدًا، غار عليه من تعلّقه بغيره.
غيرة ليست قهرًا، بل حماية. ليست قسوة، بل صيانة للقلب من أن يتوزّع حتى يضيع.
فيمارس معه سياسة “الاحتكار المحبّ”.
كلما مال قلبك لشخص، خيّب الله ظنّك فيه (لتعود إليه).
وكلما اعتقدت أن أحدًا يكفيك، كشف لك أنه لا يكفيك إلا هو.
وكلما اعتمدت على سبب، قطعه عنك (لتعتمد عليه).
لا ليتركك في الفراغ، بل ليمنعك من أن تُسند قلبك إلى ما لا يملك قلبك.
يوحّشك من كل شيء، لتأنس به وحده.
قد تبدو هذه “قسوة” في الظاهر، لكنها قمّة الحبّ.
كأن المعنى يقول: لا أريد قلبك موزّعًا… أريده لي وحدي.
📡 4. الخط الساخن (The Direct Line)
من علامات الحبّ الإلهي: الإلهام.
أن تُدفَع دفعًا إلى الخير قبل أن تفكّر، وأن تُصرَف عن الشر قبل أن تقرّر.
تجد نفسك فجأة — بلا مقدمات — ترفع يدك للدعاء.
كأن الدعاء لم يبدأ منك… بل كان توفيقًا ومنّة، ثم جرى على لسانك.
أو تجد نفسك مصروفًا عن معصية كنت تريدها بشدّة، دون جهد منك.
هذا تدخّل من عناية الله بعبد يريد له الخير.
وحين يتدخّل الله في تفاصيل يومك الصغيرة،
فاعلم أنك لست مُهمَلًا في هذا العالم… بل تحت عناية خاصة.
🌧️ 5. سكينة المعية
في النهاية… الحبّ ليس ما تأخذ، بل من معك.
الطفل لا يهتمّ بالظلام ولا بالوحوش طالما يمسك بيد أبيه القوي.
لأن الخوف لا يُهزم بتغيير الطريق، بل بتغيير اليد التي تمسك بها.
المحبوب يعيش بهذا الشعور.
تضيق الدنيا؟ لا بأس.
تغلق الأبواب؟ لا مشكلة.
طالما أن ربّ الأبواب معي، يرعاني ويكفيني.
هذا الشعور لا يغيّر شكل النار… لكنه يغيّر أثرها.
وهذا الشعور هو الذي جعل النار بردًا وسلامًا على إبراهيم.
🛑 الخلاصة: لا تطلب الهدايا… اطلب الودّ
لا تقس حبّ الله بحجم رصيدك في البنك، ولا بصحّتك، ولا بسهولة أيامك.
قِسْه بحال قلبك معه.
- هل يهدأ قلبك حين تضطرب الدنيا؟
- هل تعود إليه حين تُغلق في وجهك الأسباب؟
- هل تجد أنسًا بذكره، ووحشة من معصيته، ورضًا بقضائه؟
إذا كان الجواب نعم…
فأنت تمشي على أرض المحبّة.
ومن أحبّه الله، لم يضرّه ما فقد من دنياه — ولو فقد كل شيء —
لأنه لم يعد يقيس الخسارة بما خرج من يده… بل بما بقي في قلبه.
اقرأ أيضًا: لماذا نلجأ إلى الله وقت الشدة فقط؟