صنم الأسباب: حين يتحول الدواء والراتب إلى شركٍ خفي في القلب

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

🗿 صنم "الأسباب"… حين نثق في (مشرط الجراح) أكثر من (ربّ الأرواح)

نحن لا نعبد اللات والعزى، ولم نعد نسجد للأصنام الحجرية.
ولكن… هل تخلّصنا فعلًا من "الوثنية"؟

الحقيقة المرعبة هي أننا استبدلنا أصنام الحجر بأصنامٍ أخرى أكثر عصرية وأناقة:
صنم "الدواء"، صنم "الراتب"، صنم "الواسطة"، وصنم "الطبيب الشاطر".

(نحن لم نُطهر قلوبنا من الوثنية، بل اكتفينا بنقل الأصنام من "ساحة الكعبة" إلى "أروقة المستشفيات" و"مكاتب الشركات"!)

نحن نمارس "توحيدًا شكليًا"؛ ألسنتنا تلهج بـ"لا إله إلا الله"، لكن قلوبنا معلّقة بـ"الأسباب الأرضية" تعلّق الغريق بطوق النجاة.
نحن نرى "اليد التي تعطي" (البشر)، ونغفل عن "اليد التي تسوق" (الله).


🔻 المشهد الفاضح: غرفة العمليات vs محراب الصلاة

دعنا نضع إيمانك تحت "جهاز كشف الكذب" في هذا الموقف:
أنت مريض، ونجحت في حجز موعد عند "الجراح العالمي" الأشهر في مجاله.

كيف تدخل غرفة العمليات؟
تدخل وأنت في قمة "السكينة والطمأنينة".
تقول لأهلك بابتسامة عريضة:
"لا تقلقوا، أنا بين أيادٍ أمينة، هذا الطبيب بارع، لم تفشل له عملية!"

الآن، اقطع المشهد… وانتقل إلى سجادتك في الليل.
أنت تدعو الله أن يشفيك.
كيف حال قلبك؟

مضطرب، قلق، مهزوز، وتهمس لنفسك:
"يا رب استجب… يا رب لا تتركني."

توقّف لحظة… ألا تشعر بمدى الكارثة؟
لسنا نتهم النيات، بل نصف ما قد يختلّ في القلوب دون أن نشعر.

لقد منحت المخلوق (الطبيب) طمأنينة كبيرة،
ومنحت الخالق (الله) رجاءً قلقًا ويقينًا أقلّ ثباتًا.
وثقت في مشرط بشرٍ يخطئ ويصيب، ويموت، وقد ترتعد يده…
وأكثر مما اطمأن قلبك بربٍّ يقول للشيء: ﴿كُن فيكون﴾!

(لقد عاملتَ المخلوق كأنه "الضامن"، وعاملتَ الخالق كأنه "محاولة أخيرة".. جعلتَ المستشفى هو "الملاذ"، وسجادة الصلاة هي "غرفة الانتظار"!)

هذا ليس مجرد ضعفٍ عابر…
هذا خللٌ خطير في ميزان التعظيم،
وانزلاقٌ قلبيّ يُخشى أن يفتح بابًا من أبواب "الشرك الخفي
إذ جعلت "السبب" أكبر في قلبك من "المسبّب".
وهذا من دقائق الشرك الخفي الذي لا يظهر في اللسان، بل في ميزان التعظيم داخل القلب.


🔻 الوثنية المقنّعة: عبادة "مدير البنك"

انظر إلى حالك مع الرزق.
حين تتأخر رسالة الراتب (SMS) يومًا واحدًا،
يصيبك الهلع، وتتصل، وتغضب، وتشعر أن الأرض تميد بك.

(وكأن رزقك كان مربوطاً بأسلاك الاتصالات، فلما انقطعت الشبكة.. انقطع يقينك بعرش الرحمن!)

لماذا؟
لأنك — في قرارة نفسك — تتعامل مع "الوظيفة" وكأنها مصدر حياتك.
بينما حين تتلو قوله تعالى:
﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾
تقرؤها ببرود… وكأنها جملة لا تمسّ واقعك!

أنت تتعامل مع "المدير" بخوفٍ وحرصٍ وتذلّل،
أكثر مما تتعامل به مع الله؛
لأنك موقن أن المدير يملك توقيع "الخصم"،
بينما يقينك بأن الله يملك "مفاتيح السماء"
بقي يقينًا ذهنيًا لا يعيش في القلب.

لقد تعلّق قلبك بـ"الصنبور" (السبب)،
وغفل عن "الخزان".


🔻 الخلل العقدي: حين يُفصل السبب عن خالقه

مشكلتنا أننا تعاملنا مع الأسباب وكأنها تعمل بذاتها.
نتناول الدواء ونحن نُضمر في أعماقنا
أن "القرص الكيميائي" يملك الشفاء من تلقاء نفسه.

يا غافل…
الدواء لا يملك شفاءً،
ولا يعرف طريق الخلية المريضة،
ولا يملك إرادة ولا قدرة.
هو مجرد "ساعي بريد".
يأخذ حكم السبب لا حكم الفاعل.

(الدواءُ جنديٌّ أعمى مُقيد بسلاسل القدر، لا يتحرك في مسارات شرايينك إلا بـ "تأشيرةِ عبورٍ" وموافقةٍ صريحة من مالك المُلك!)

والله — وحده — من يضع أثر الشفاء في هذا السبب،
ويوجهه حيث يشاء، إن شاء.
فإن شاء الله،
جعل الدواء — وهو سبب — شفاءً،
وإن شاء، جعله بلا أثر،
وإن شاء، جعله أذًى.

السكين لم تقطع إسماعيل،
والنار لم تحرق إبراهيم،
والحوت لم يهضم يونس…
لماذا؟
لأن الله صرف أثر الأسباب بإذنه
ليعلّمنا درسًا واحدًا:
الأسباب لا تعمل بقدرتها،
بل تعمل بإذن الله.

(لو رُفع الإذن الإلهي عن الماء لَغَصَصْتَ به، ولو رُفع عن الهواء لَاخْتَنَقْتَ به وأنت تتنفسه!)

فلا تقدّس "القلم"،
وتنسى "الكاتب".


🔻 التصحيح الجراحي: (خذ بالأسباب… وحرّر قلبك منها)

هل يعني هذا أن نترك الأطباء ونجلس في البيوت؟
حاشا لله.
فهذا ليس توحيدًا، بل تواكل.

التوحيد الحقيقي معادلة دقيقة:
أن تتحرّك جوارحك في الأسباب كأنها كلّ شيء،
وأن يسكن قلبك مع الله كأن الأسباب لا شيء.

اذهب إلى أمهر طبيب — امتثالًا لأمر الله بالأخذ بالأسباب —
لكن ليكن يقينك أن الطبيب أداة،
وأن الشفاء من الله وحده.
احترم الأسباب…
ولا تقدّسها.


🔻 الخلاصة (تحطيم الصنم)

يا من تعلّق قلبه بالواسطة،
وبالمدير،
وبالطبيب،
وبالدواء…
أنت تتعلّق بخيوط عنكبوت واهية.
هؤلاء جميعًا فقراء،
لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا،
فكيف يملكونه لك؟
من غير جحودٍ للأسباب، ولا ازدراءٍ لما سخّره الله.

أنزلهم من عرش قلبك،
وأعد الله إليه.
تداوَ…
لكن ثق بمن خلق الدواء.
اعمل…
لكن توكّل على من يرزق النمل.

فإذا اجتمع في قلبك
الأخذ بالأسباب
مع كمال التوكّل على المسبّب
فقد حطّمت الصنم…
وصرت حرًّا.
(فالسببُ في يدك "سلاح"، ولكنه في قلبك "صنم".. فَأَبْقِ السلاحَ في قَبْضَتِك، وَاهْدِمِ الصَّنَمَ فِي صَدْرِك!)


🔗 روابط داخلية (اقرأ أيضًا)

```0