لماذا يبتلينا الله؟ وهل الابتلاء عقوبة أم تربية إيمانية؟ في هذه المقالة نتأمل حكمة الابتلاء في الإسلام من زاوية مختلفة: الألم ليس دائمًا هدمًا، بل قد يكون إعادة تشكيل. ستفهم كيف يمكن للتجارب أن تُنقّي الداخل، ولماذا قد يكون ما تفقده هو ما يصنعك.
هذه التأملات لا تقدم تفسيرًا سطحيًا للابتلاء، بل تنطلق من أن البلاء سنة ماضية في حياة المؤمنين، وأن ما يمرّ به الإنسان قد يتحول إلى تربيةٍ للروح إذا قرأه بعينٍ صحيحة.
🗿 أزميل النحات الأعظم...
(حين نظن أن عمل "المصور" انتهى في أرحام أمهاتنا.. وننسى أنه بدأ لتوه في أرواحنا!)
(عن وهم "اكتمال الخلقة".. ولماذا تكون أيامنا سببًا في إعادة تشكيلنا؟)
نحن نقرأ اسم الله (المصور)، فينصرف ذهننا مباشرة إلى جنين يتشكل في عتمة الرحم.. نظن أن عملية "التصوير" قد انتهت بمجرد أن صرخنا صرخة الولادة، وأننا جئنا إلى الدنيا بخلقة مكتملة!
يا لسذاجتنا! لقد انتهى تصوير (الطين).. وبدأ تصوير (اليقين)!
تصوير الجسد يحتاج إلى تسعة أشهر، أما تصوير الروح فقد يحتاج إلى عمر كامل من أزميل الابتلاء، ومطرقة الفقد، ونار التجارب! فالجسد يُصور في (رحم الأم) ليعيش أيامًا معدودة، أما الروح فتتشكل في (رحم المعاناة) لتسعى لحياة أبدية.
🔻 أكبر جريمة نرتكبها بحق أنفسنا؛ أننا نحاول إدخال أرواحنا في (قوالب بلاستيكية جاهزة) صنعها المجتمع.
نريد النجاح المستنسخ الذي نراه في شاشات الهواتف.. حياة مقصوصة بالمسطرة، بلا ندوب، بلا خسائر، بلا ليالٍ نبكي فيها من العجز. نريد أن نكون نسخًا (مكررة ورخيصة) من بعضنا البعض.
لكن (المصور) الجليل لا يعمل بنظام (خطوط الإنتاج التجارية)!
الله لا يصنع نسخًا.. الله يصنع (تحفًا نادرة).
ولكي تكون تحفة تُسر بها ملائكة السماء، لا بد أن تمر تحت قسوة (النحت). ولعل من حكمة الله أن يُقدر لك ابتلاءً يناسب (تشوهاتك الباطنية) بدقة عجيبة. مخاوفك، أعداؤك، تعثراتك المالية.. قد تكون أدوات نحت في يد المصور العظيم.
🔻 في عالم الفن.. الرسام (يضيف) الألوان إلى اللوحة الفارغة ليصنع صورة، أما النحات فيقوم بـ(الاستقطاع) و(الحذف) من كتلة الصخر ليُظهر تحفة! هكذا يتجلى اسم (المصور) في حياتك.. فهو لا يعطيك دائمًا ليبنيك، بل كثيرًا ما (يسلبك) فيكون ذلك سببًا في تشكيلك!
تخيل قطعة ضخمة من الرخام الخام.. صماء، مليئة بالزوائد البشعة.
يقترب منها أعظم نحات في التاريخ، يمسك إزميله الحاد، ويهوي بمطرقته بضربة قاسية فتتناثر الشظايا!
لو كان الرخام ينطق، لصرخ من الألم: "أنت تحطمني! أنت تهلكني!".
بينما النحات يبتسم بحكمة ويقول: "أنا لا أحطمك.. أنا أخلي سبيل التمثال المخبوء في داخلك!".
هذا مثال يقرب لك المعنى.
أنت مليء بزوائد (الكبر)، ومشوه بصخور (الاعتماد على الخلق)، ومطموس الملامح بغبار (الركون إلى الدنيا).
فقد يكون التأخير سببًا في نحت زائدة العجلة،
وقد يكون الخذلان سببًا في تطهير قلبك من صنم التعلق بالبشر،
وقد يكون التضييق في الرزق سببًا في كسر (غرورك) حتى تركع معترفًا بالافتقار إليه.
تأمل مثلًا ذلك الذي رسم صورة لنفسه بأنه "الشخص الذي لا يُقهر"، المكتفي بذكائه وماله ومكانته. هذه (صورة مزيفة) نفخها الشيطان للأنا! فقد يُقدر الله عليه عاصفة تُزلزل ماله، وتعجز ذكاءه، وتنفُض عنه وجوه الناس.. حتى يسقط على ركبتيه في العتمة باكيًا يقول: "يا رب، أنا لا شيء، أنا ضعيف بدونك". في تلك اللحظة المرعبة الدامية، حين تهشمت (الصورة المزيفة).. قد تولد (الصورة الحقيقية): صورة العبد المفتقر الذي يحبه الله.
أنت تظن أنك تتهشم.. بينما أنت في الحقيقة (تتشكل)!
أنت تبكي على الأجزاء المتساقطة من روحك، ولا ترى المعنى الأعمق الذي يُراد لك.
أخطر لحظة ليست حين يطرق الأزميل…
بل حين تظن أن الله انتهى منك.
🔻 لقد ابتُلي الأنبياء بمثل هذا الأزميل القاسي!
هل كان ظلام السجن ليوسف عقوبة؟ بل كان سببًا في تهيئته لمكانة عظيمة.
وهل كان الطرد والمطاردة لموسى ضياعًا؟ بل كان تشكيلًا لشخصيته ليقف كالجبل أمام فرعون.
إذا أردت صورة رفيعة، فقد تحتاج إلى تحمل ضربات قاسية.
🔻 الخلاصة التي تمنحك السلام:
يا هذا..
إذا شعرت أن أيامك قاسية، وأن ظروفك تقتطع من لحمك الحي.. فلا تفزع.
أنت لست منسيًا، بل أنت في قدر الله وحكمته.
توقف عن الاعتراض والتسخط، وسلم أمرك لمن خلقك ويعلم ما يصلحك.
كلما قاومت الحكمة، زاد الألم، وتشوهت النفس.
فالروح التي ترضى بحكمة الله في الدنيا.. هي الروح التي تُرجى لها النجاة والبهاء يوم القيامة.
لا تعاتب الله على فقد ما تحب.. فلعله يرفع عنك شيئًا ليقربك إليه، ويهبك خيرًا أبقى وأعظم.
مقالات ذات صلة
الأسئلة الشائعة
هل كل ابتلاء يعني عقوبة؟
لا. الابتلاء قد يكون رفعًا أو تربيةً أو كشفًا لخللٍ داخلي، وقد يكون تكفيرًا؛ والميزان في ذلك يظهر في أثره عليك: هل يوقظك ويقربك أم يزيدك قسوةً واعتراضًا؟
لماذا يشتد البلاء على بعض الناس؟
قد يشتد البلاء حين تكون النفس بحاجة إلى “نحتٍ” أعمق لكسر الغرور، أو لاقتلاع التعلّق بالبشر، أو لإعادة ترتيب الأولويات من جديد.
كيف أتعامل مع الابتلاء عمليًا؟
ميّز بين الألم والمعنى: الألم واقع، لكن المعنى يُبنى بالصبر والعمل. خفف المقاومة الداخلية، وخذ بالأسباب دون أن تجعلها مركز الاتكاء، واطلب العون في كل مرحلة.