مبضع الجرّاح: حين يمنعك الله ما تريد ليعطيك ما تحتاج

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

لماذا يمنع الله بعض ما نطلبه بإلحاح؟ ولماذا لا تأتي الاستجابة أحيانًا في صورة راحة سريعة أو حل فوري كما نريد؟ هذه من أعمق أبواب فهم الابتلاء والقدر؛ لأن الإنسان غالبًا يطلب المسكّن الذي يطفئ وجع اللحظة، بينما يعامله الله بحكمة الطبيب الخبير الذي لا ينظر إلى الصراخ العابر، بل إلى موضع الداء، وحجم الخطر، وطبيعة الشفاء الذي يحتاجه القلب قبل الجسد.

مبضع الجراح وحين يمنعك الله ما تريد ليعطيك ما تحتاج

مبضع الجرّاح: حين يمنعك الله ما تريد ليعطيك ما تحتاج

مِبْضَعُ الجرّاح: حين نطلب المُسكّن ويأبى الله إلا الاستئصال

مشكلتنا القديمة مع القدر أننا نُقبل على الله بعقلية الباحث عن اللذة العاجلة؛ نطلب ما يريحنا الآن، وما يسكت وجعنا سريعًا، بينما يعاملنا الله بعلم الطبيب الخبير، الذي لا ينظر إلى صراخ اللحظة، بل إلى سلامة الجسد بعد الشفاء.

الطفل يبكي عند الطبيب، يصرخ، ويرجو والديه أن يمنعوا الإبرة أو الجراحة. الطفل يرى ألمًا خالصًا… والوالدان والطبيب يرون شفاءً مخبوءًا في ثوب الألم.

ونحن في محراب الدعاء نتصرف كالأطفال: نطلب “السكر” — المال، والراحة، والمنصب — لأن طعمه حلو، بينما الله الخبير يعلم أن هذا السكر قد يُغذي “الورم” في أرواحنا، فيمنعه عنا، ويصف لنا “الدواء المر” — الابتلاء، والتأخير، والفقد.

أكثر ما يربك الإنسان في الابتلاء ليس الوجع وحده، بل السؤال الذي ينهش قلبه: هل هذا عناية أم إقصاء؟

وهذا المعنى يرتبط مباشرة بمقال اسم الله الخبير: كيف يحميك الله من الفرص المؤذية التي تبدو لك هدايا؟، لأن كليهما يقوم على الفارق بين ما نراه نحن نافعًا في الظاهر، وما يعلمه الله من عواقبه الخفية.

1) غرفة العمليات

🔪 حين تشتد عليك المصائب، وتُغلق الأبواب، وتشعر أن السكاكين تقطع في لحمك الحي… فأنت لست بالضرورة في غرفة تعذيب، بل في غرفة عمليات إلهية معقّمة.

الله يمسك بمبضع الابتلاء لا ليهلكك، بل ليستأصل ورمًا خبيثًا في قلبك لم يكن ليُعالج بالرخاء.

  • ربما ورم الكِبر
  • ربما ورم التعلّق بالبشر
  • ربما ورم الغفلة

أنت تصرخ: “أوقف الألم يا رب” أي: أوقف العملية. لكن الجرّاح الرحيم يُكمل بدقة، لأن إيقاف العملية الآن قد يعني انتكاسة أخطر لاحقًا.

وهذه الزاوية تلتقي بقوة مع مقال هندسة الفراغ: لماذا يفرغ الله قلبك من بعض الأشياء قبل أن يملأه بما هو أعظم؟، لأن الإفراغ المؤلم أحيانًا ليس هدمًا عبثيًا، بل تنظيف داخلي يسبق الامتلاء الصحيح.

2) خدعة المسكّنات

🍬 نحن نلحّ في الدعاء طلبًا للمسكّنات: حلول سريعة، راحة فورية، نجاح بلا كلفة. نقول: “يا رب ريّحنا”، بينما يريد الله أن يشفينا لا أن يخدّرنا.

بائع الحلوى يعطيك ما تطلب لتسكت الآن — ولو أضرك. أما الطبيب المحب فيحتمل صراخك اليوم، لتعيش معافى غدًا.

منع الله لك في كثير من الأحيان حماية لا بخل، وحرمانه لك قد يكون رحمة لا قسوة.

وهذه الفكرة ترتبط أيضًا بمقال ما معنى اسم الله الرؤوف؟ كيف تنقذك رأفة الله قبل وقوع الألم، لأن المنع هنا ليس قسوة، بل رأفة تمنع اتساع الضرر أو اكتمال الهلاك.

3) مرحلة الإفاقة

🛌 أصعب الأوقات هي ما بعد الجراحة؛ الألم حاضر، والنتيجة لم تتضح. هنا تُختبر ثقة المريض بالجرّاح.

أنت لا تفهم لماذا شُق هذا الموضع، ولا لماذا أُزيل ذاك الشيء، لكنك سلّمت جسدك لأنك تثق في علم الطبيب. أفلا تثق في اللطيف الخبير؟

ما أُخذ منك — مالًا كان، أو صحة، أو شخصًا — قد يكون هو الورم نفسه، حتى لو حسبته جزءًا من كيانك.

وهنا يتقاطع المعنى مع مقال علامات حبّ الله للعبد: كيف تعرفها في الابتلاء والإلهام وسكينة المعية؟، لأن من علامات العناية أن يتغير فهمك للألم، فلا تراه دائمًا طردًا، بل قد تراه جراحة نجاة.

4) سوء الفهم

🩸 الطفل يظن أن والديه “يتآمران” مع الطبيب لتعذيبه، ونحن أحيانًا نظن أن الله يعاقبنا لأنه آلمنا.

والحقيقة: لولا عنايته، لتركك تأكل من حلوى الدنيا حتى تهلكك غفلتها. الألم قد يكون دليل اهتمام، ودليل أنك تحت ملاحظة دقيقة، وأن عملية الإنقاذ جارية.

ومن جهة التصحيح المؤلم لحال القلب، يرتبط هذا المعنى أيضًا بمقال الحي القيوم: كيف يمنحك الله طمأنينة الضعف ورخصة الانهيار الآمن؟، لأن المريض بعد الجراحة لا يحتاج فقط إلى فهم الحكمة، بل إلى موضع أمان يسقط فيه وهو يتعافى.

الخلاصة: اترك المبضع للخبير

💡 توقّف عن توجيه الجرّاح أثناء العملية. لا تقل: لماذا منعت؟ ولماذا لم تُعطِ؟ هو يرى تحاليل لا تراها أنت.

نحن كثيرًا ما نجهل أين تكون مصلحتنا… فسلّم أمرك لله، فجرح يفتحه الله بحكمته خير من رخاء تغرق فيه بغفلتك.

﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾

نم قرير العين على سرير التسليم؛ العملية ناجحة… والشفاء مسألة وقت.


وهذه المقالة ترتبط بعنقود واضح من المعاني القريبة: الحكمة في المنع، والرأفة قبل الألم، والإفراغ الذي يسبق الامتلاء، والشفاء الذي يأتي عبر الاستئصال لا عبر التخدير فقط. ولهذا يمكنك متابعة هذه المقالات المرتبطة:

تعليقات

عدد التعليقات : 1
  • اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد

    إضافة ردحذف التعليق

    » ردود هذا التعليق