🩺 مِبضع الجرّاح: لماذا يمنع الله المُسكّن ويختار الاستئصال؟

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

🩺 مِبْضَعُ الجرّاح

(حين نطلبُ «المُسكِّن» ويأبى اللهُ ـ بحكمته ـ إلا «الاستئصال»)
(عن الفارق بين ما نريده… وما نحتاجه)

مبضع الجراح: لماذا يمنع الله المسكن ويختار الاستئصال مشكلتنا القديمة مع القدر أننا نُقبِل على الله بعقلية الباحث عن اللذة العاجلة؛ نطلب ما يريحنا الآن، وما يُسكت وجعنا سريعًا، بينما يعاملنا الله بعلم الطبيب الخبير، الذي لا ينظر إلى صراخ اللحظة، بل إلى سلامة الجسد بعد الشفاء.

الطفل يبكي عند الطبيب، يصرخ، يرجو والديه أن يمنعوا الإبرة أو الجراحة. الطفل يرى ألمًا خالصًا… والوالدان والطبيب يرون شفاءً مخبوءًا في ثوب الألم.

نحن في محراب الدعاء نتصرف كالأطفال: نطلب “السكر” (المال، الراحة، المنصب) لأن طعمه حلو، بينما الله الخبير يعلم أن هذا السكر قد يُغذّي “الورم” في أرواحنا، فيمنعه عنا، ويصف لنا “الدواء المُر” (الابتلاء، التأخير، الفقد).

أكثر ما يُربك الإنسان في الابتلاء ليس الوجع، بل الشك: هل هذا عناية أم إقصاء؟


🔪 1. غرفةُ العمليات

حين تشتد عليك المصائب، وتُغلق الأبواب، وتشعر أن السكاكين تقطع في لحمك الحي… أنت لست في غرفة تعذيب، بل في غرفة عمليات إلهية معقّمة. الله يمسك بـمبضع الابتلاء لا ليهلكك، بل ليستأصل ورمًا خبيثًا في قلبك لم يكن ليُعالج بالرخاء.

  • ربما ورم الكِبر
  • ربما ورم التعلّق بالبشر
  • ربما ورم الغفلة

أنت تصرخ: «أوقف الألم يا رب» — أي: أوقف العملية. لكن الجرّاح الرحيم يُكمِل بدقّة، لأن إيقاف العملية الآن قد يعني انتكاسة أخطر لاحقًا.


🍬 2. خدعةُ المُسكِّنات

نُلِحّ في الدعاء طلبًا للمسكّنات: حلول سريعة، راحة فورية، نجاح بلا كلفة. نقول: «يا رب ريّحنا»، والله يريد أن يشفينا لا أن يُخدّرنا.

بائع الحلوى يعطيك ما تطلب لتسكت الآن — ولو أضرك. أمّا الطبيب المحب فيحتمل صراخك اليوم، لتعيش معافى غدًا. منعُ اللهِ لك في كثير من الأحيان حماية لا بخل، وحرمانه لك قد يكون رحمة لا قسوة.


🛌 3. مرحلةُ الإفاقة

أصعب الأوقات هي ما بعد الجراحة؛ الألم حاضر، والنتيجة لم تتضح. هنا تُختبر ثقة المريض بالجرّاح.

أنت لا تفهم لماذا شُقَّ هذا الموضع، ولا لماذا أُزيل ذاك الشيء، لكنك سلّمت جسدك لأنك تثق في علم الطبيب. أفلا تثق في اللّطيف الخبير؟

ما أُخذ منك — مالًا كان، أو صحة، أو شخصًا — قد يكون هو الورم نفسه، حتى لو حسبته جزءًا من كيانك.


🩸 4. سوءُ الفهم

الطفل يظن أن والديه “يتآمران” مع الطبيب لتعذيبه، ونحن أحيانًا نظن أن الله يعاقبنا لأنه آلمنا.

والحقيقة: لولا عنايته، لتركك تأكل من حلوى الدنيا حتى تهلكك غفلتها. الألم قد يكون دليل اهتمام، ودليل أنك تحت ملاحظة دقيقة، وأن عملية الإنقاذ جارية.


💡 الخلاصة: اترك المبضع للخبير

توقّف عن توجيه الجرّاح أثناء العملية. لا تقل: لماذا منعت؟ ولماذا لم تُعطِ؟ هو يرى تحاليل لا تراها أنت.

نحن كثيرًا ما نجهل أين تكون مصلحتنا… سلِّم أمرك لله، فجرحٌ يفتحه الله بحكمته خيرٌ من رخاءٍ تغرق فيه بغفلتك.

﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾

نم قرير العين على سرير التسليم؛ العملية ناجحة… والشفاء مسألة وقت.


📚 اقرأ أيضًا