في لحظاتٍ يشتدّ فيها الضيق وتتساقط الدعائم التي كنتَ تظنّها ثابتة، يبدأ معنى سقوط الدعائم وبناء القلب على التوحيد في الظهور: ليس كفكرةٍ نظرية، بل كخبرةٍ تعيد ترتيب الداخل. قد ترى الأبواب تنغلق تباعًا، وتتعسّر الخطط، ويزداد السؤال ثقلاً، لكن هذا المسار قد يكون تفكيكًا رحيمًا لتعلّقاتٍ خفيّة بالأسباب، وبالتدبير، وبالاعتماد على ما سوى الله. هنا يتعلّم القلب الفرق بين السعي والتعويل، ويبدأ التحوّل من الاتكاء على الوسائط إلى الاطمئنان بالله وحده. هذه القراءة تمهّد لفهم لماذا يضيق الطريق أحيانًا، وكيف تتحول الهزّة إلى بناءٍ أصدق.
🧱 سقوط الدعائم… وبناء القلب على التوحيد
أنت الآن في مرحلةٍ غريبة ومقلقة؛ تشعر وكأن بناء حياتك يتآكل من الداخل، لا فجأةً، بل بتدرّجٍ بطيء ومُنهك. كلما أغلقتَ منفذًا انفتح آخر، وكلما طرقتَ بابًا ارتدّ عليك صامتًا، حتى امتدّ هذا الضيق إلى القلب ذاته، فانبثق السؤال الخفي: هل أنا مغضوبٌ عليّ؟ لماذا تتعسّر طرقي بينما تتيسّر لغيري؟
غير أن هذا الشعور، على ثقله، لا يعني أن الأمور خرجت عن اللطف الإلهي، بل قد يكون العكس تمامًا. فما يجري ليس عبثًا ولا اضطرابًا بلا غاية، بل تفكيكٌ حكيم لما تراكم في الداخل دون وعي. الله لا يهدم عبدَه، لكنه يزيل ما تعلّق به قلبُه سواه؛ يخفّف ازدحام القلب بالخطط، وبالأسباب، وبالوجوه، وحتى بالاعتماد الخفي على العبادة والصبر وحُسن التصرّف. تظنّ أنك متوكّل، لكنك في العمق متساند: إلى قدرتك على التدبير، وإلى مهارتك في الاحتمال، وإلى ترتيبك للأمور… حتى إذا اضطرب هذا الترتيب اضطرب معه القلب.
🔎 ومن هنا يتشكّل السؤال الجوهري: لماذا هذا التآكل المتتابع؟
لأن بناء التعلّق بالأسباب لا يصلح أن يُقام عليه سكونٌ راسخ. فيترك الله المسار يضيق، لا ليكسر، بل ليُصفّي، حتى تبلغ مرحلة الخلوّ التام: خلوًّا من الحيلة فتقول بهدوءٍ صادق: لا أدري ماذا أفعل، وخلوًّا من القوّة فتدرك: لم يعد في الوسع احتمال، وخلوًّا من التعويل الأرضي بعد أن تخذلك المساند التي ظننتها ثابتة. عندها تتهاوى الأصنام الصامتة في القلب، وتنحسر الأنا، ويهدأ الاضطراب… ولا يبقى في القلب إلا اتجاه واحد.
🩺 وهنا تبدأ المرحلة الأشد عمقًا، والأصدق أثرًا: مرحلة التجريد.
يُؤخَّر الفرج لتصل إلى إحساسٍ لم تألفه من قبل؛ فراغٌ من كل شيء، وامتلاءٌ بالله وحده. كغريقٍ كان يتعلّق بقشّة، ثم بلوح، ثم بسبّاح؛ ما دام القلب متشبّثًا بهذه الوسائط فلن يتذوّق حقيقة الافتقار. فيُزال ما في اليد، ويُرفع ما حولك، حتى تأتي لحظة لا تجد فيها ما تعتمد عليه، فلا يبقى لك إلا أن تُلقي قلبك كلّه بين يدي الله، وتنبعث من أعماقك كلمة واحدة: يا الله.
وليست هذه ككل مرّة نطقتَ بها. ليست “يا الله” المقرونة بخطة، ولا المتكئة على شخص، ولا المستندة إلى قوّة. إنها “يا الله” صافية، خالية من كل سندٍ سواه؛ لا لأن السعي مذموم، بل لأن السعي وظيفة الجوارح، وأما التعويل فوظيفة القلب، والقلب لا يطمئن إلا بالله.
📖 ولعلّ أصدق ما يُجسّد هذه اللحظة ما كان من أمر يونس عليه السلام
ولعلّ أصدق ما يُجسّد هذه اللحظة ما كان من أمر يونس عليه السلام؛ لم تأته النجاة وهو في السفينة، ولا وهو في لجّة البحر، بل حين أحاطت به الظلمات الثلاث: ليلٌ وبحرٌ وبطنُ حوت… انسدادٌ كامل للأسباب. وهناك لم تخرج من لسانه صيحة استغاثة، بل صدقُ عبودية وتنزيه: ﴿لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ فجاء الجواب رحمةً محضة: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾.
وعندها تتجلّى الصورة كاملة
✨ وعندها تتجلّى الصورة كاملة: أنت لست في مأزق، بل في مسار عناية. والذي يُدبّر الأمر هو اللطيف الخبير؛ لا يعبث بالقلب، بل يُنقّيه من تعلّقاتٍ خفيّة بامتحانٍ رحيم. الألم محسوس، والرهبة حاضرة، لكن ما يجري ليس عبثًا. الله لا يؤخّر الفرج قسوةً، بل يزيح الحواجز التي حالت بينه وبين قلبك، ويُعيد ترتيب الداخل حتى إذا جاء الفتح لم تُفسده علائق قديمة.
🕊️ فلا تُسارع إلى ترميم ما يُزال الآن
🕊️ فلا تُسارع إلى ترميم ما يُزال الآن، ولا تُجهد نفسك في إنقاذ اعتمادٍ آنيّ أو سندٍ هشّ. دعه يتلاشى، حتى إذا قلت بصدق: يا رب، انقطعت حيلي، وخفَتَت قوتي، وفوّضت أمري إليك، فدبّر لي فإني لا أُحسن التدبير… عندها ترى كيف تُفتح الأبواب التي ظننتها موصدة، وكيف يجيء الفرج لا لأنك ظفرتَ بحلّ، بل لأن القلب عاد إلى الله وحده.
اقرأ أيضًا: التوحيد وكيف يُعيد ترتيب الداخل، وتأمّل معنى التوكّل حين يختلف عن التعويل، وراجع أثر الابتلاء على تعلّقات القلب، وتعرّف على مرحلة التجريد عندما يتأخر الفرج، وتأمل في يونس عليه السلام كصورةٍ مكثفة لانقطاع الأسباب.