🏺 هندسة الفراغ: لماذا يكسر الله كوبك الصغير ليسكب فيك المحيط؟

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

🏺 هندسة "الفراغ": قانون الإخلاء الإجباري!

(عن ألم "التوسعة".. ولماذا يكسر الله كوبك الصغير ليسكب فيك المحيط؟)

نحن نصرخ حين نفقد الأشياء، لأننا نعاني من "رهاب الفراغ". نريد أيدينا ممتلئة دائمًا (بالأشخاص، بالمال، بالمكانة). نحن نحشو قلوبنا بأطنان من "الخردة" العاطفية والمادية، ثم نرفع أيدينا إلى الله ونطلب من الله أن يملأنا بنوره! كيف يسكب الله نوره في إناء ممتلئ بالطين؟ هنا يتدخل الابتلاء.. ليس ليسرقك، بل ليقوم بعملية "إخلاء إجباري" لتلك المساحات المزدحمة!

نحن لا نخاف من الفقد بقدر ما نخاف من أن نرى أيدينا فارغة… لأن الفراغ يفضح ما كنا نملؤه بالأوهام. الفراغ مرآة قاسية: إما أن ترى فيها الله، أو ترى فيها هشاشتك بلا مساحيق. ولذلك نهرب من الإفراغ… لأنه أول خطوة نحو الامتلاء الحقيقي.


📜 1. طرد "المستأجرين" المزيفين (The Eviction Notice)

قلبك هو "عقار" يملكه الله وحده. لكنّك قمت بتأجير غرفه لمستأجرين عابرين: زوجة تعبدها من دون الله، منصب تستمد منه قيمتك، أو صورة اجتماعية ترتعب من خدشها.

حين يضربك الابتلاء (بفقد المنصب أو رحيل الأشخاص)، فهذا ليس حادثًا عشوائيًا. هذا "إشعار إخلاء" رسمي من الله. الألم الذي تشعر به ليس ألم الفقد.. بل هو "ضجيج" المستأجرين الذين يقاومون الطرد من داخلك! الله يفرغ قلبك منهم بالقوة.. ليسكنه هو.

وأحيانًا يكون هذا التعلق شبيهًا بما تم كشفه في مقال صنم الأسباب، حيث يتحول السبب إلى مركز ثقة، ويغيب المسبّب عن موقع السيادة في القلب.

أنت لا تتألم لأنهم خرجوا… بل لأنك اكتشفت متأخرًا أنك كنت تعيش في بيت قلبك كضيف، لا كصاحب بيت. والوجع الحقيقي ليس أن تُغلق الأبواب خلفهم… بل أن تُفتح أخيرًا لك.


🔨 2. ألم "التوسعة" الحتمي (The Pain of Expansion)

إذا أردت أن توسع مبنى قديمًا، فلابد أن تسمع أصوات المطارق، وترى غبار الهدم، وتتحمل الفوضى المؤقتة.

الإنسان قبل الابتلاء يكون "ضيقًا".. يبكي لأتفه الأسباب، وينهار لكلمة، ويفرح بقطعة حلوى. فيسلط الله عليه حادثًا مزلزلًا (مرضًا، أو سجنًا، أو دينًا قاسيًا).

أنت ترى غبار الهدم فتصرخ: "حياتي تدمرت". والله ينظر إليك ويقول: "نحن لا ندمرك.. نحن نهدم الجدران الضيقة لنرفع (سعة الاستيعاب) في روحك، لتتحمل مقامات أعلى من الإيمان".

والخطر حين يظن الإنسان أن ما يملكه من طاعة أو استقرار هو ضمان ثابت، كما شرحنا في مقال وهم الرصيد البنكي، بينما الله يريد أن ينقله من ضيق الاعتماد إلى سعة الافتقار.

النفوس الكبيرة لا تُصنع في غرف النوم المكيفة.. بل تُصنع تحت أنقاض الهزائم.

بعض الجدران لا تُهدم لأنها ضعيفة، بل لأنها أصبحت ضيقة على ما يريد الله أن يضعه فيك. ليس كل ما يسقط خسارة… أحيانًا يسقط السقف لأن السماء قررت أن تقترب أكثر مما تحتمل غرفتك القديمة.


🚪 3. براءة "الأبواب المغلقة" (The Blessing of the Dead End)

أحيانًا تركض بكل شغفك نحو هدف ما (وظيفة، سفر، شراكة)، وفجأة.. يُغلق الباب في وجهك بصفعة مدوية! تنزف روحك وأنت تطرقه بلا فائدة.

يا صديقي.. الله لا يغلق بابًا في وجهك بخلًا. الله يغلقه لأنه يعلم أن خلفه (مسارًا) سيأخذك بعيدًا عنه. الرفض الإلهي هو "توجيه" مسلوب الإرادة.

حين يسد عليك طرق الأرض.. فهو يجبرك على النظر إلى أعلى! لو ظلت كل الأبواب مفتوحة لك.. لضعت في متاهات الدنيا ولم تعد إليه أبدًا.

الباب الذي لم يُفتح لك… لم يكن نهاية الطريق، بل نهاية نسخة قديمة منك كانت ستضيع هناك. أحيانًا لا يغيّر الله وجهتك… بل يغيّر حجمك حتى لا تصغر في المكان الخطأ.


🛏️ 4. غرفة "العزل" كبار الزوار (The VIP Quarantine)

من أشد أنواع الابتلاء: "الخذلان والوحدة". حين تقع، فتلتفت يمينًا ويسارًا فلا تجد صديقًا، ولا قريبًا، وتتساقط الأقنعة دفعة واحدة. تشعر برعب العزلة.

لكن هذا ليس هجرًا! هذه "غرفة عناية مركزة" صممت خصيصًا لك. الله أبعدهم عنك قصدًا، جعلهم يصمون آذانهم عن صوتك.. لتيأس منهم تمامًا!

هو يريد أن يفرغ شاشة هاتفك، ورصيد علاقاتك، حتى لا يجد قلبك رقمًا ليتصل به في منتصف الليل.. سواه هو.

الفراغ الذي تخافه اليوم هو في الحقيقة “سعة انتظار”. ليس حفرة تسقط فيها، بل حوض يُغسل فيه قلبك من تعلقاته القديمة، ليصبح صالحًا لاستقبال ما لا يُعطى للقلوب المزدحمة.


🛑 الخلاصة: افتح يديك.. ليسقط الزجاج!

يا صديقي.. إذا انكسر الكوب الذي كنت تشرب منه طوال حياتك.. فلا تجلس على الأرض تبكي، وتحاول جمع الشظايا الزجاجية التي تمزق يديك.

ارفع يديك الداميتين وافتحهما لله. فوالذي قسم لك هذا الألم.. إنه ما كسر "كوبك" الصغير وأفرغ يديك.. إلا لأنه جهز لك في الغيب "نهرًا" لا ينضب!

الفراغ الذي تعيشه الآن ليس نهاية.. إنه "المساحة البيضاء" التي سيكتب فيها الله أعظم فصل في قصتك.