📂 ملف "للقراءة فقط"...
(حينَ تستمتعُ بالوحي، وتمنعُه من "تعديل" حياتك!)
(عن "وهمِ التأثُّر: لماذا تبكي في الموعظة، وتعودُ للمعصيةِ قبلَ أن يجفَّ دمعُك؟)
مشكلتك ليست في "الانقطاع" عن الله، ولا في "نقص المعلومات". أنت تسمع، وتقرأ، وتحضر الجُمَع، وتتابع المقاطع الدينية، وتتأثر، وربما تدمع عيناك. ظاهرياً: أنت "متصل" وممتاز. لكن باطنياً: قلبك مضبوط على إعدادات (وضع القراءة فقط) "للقراءة فقط".
في عالم التقنية، الملف المحمي بـ "القراءة فقط" يمكنك فتحه، وتصفحه، ونسخ نصوص منه.. لكن مستحيل أن "تعدّل" فيه، أو تحذف سطراً، أو تضيف كلمة. وهذا بالضبط حالك مع القرآن والوحي: أنت تسمح للدين أن يكون "خلفية صوتية" جميلة لحياتك.. لكنك تمنعه من امتلاك "صلاحيات التغيير" (صلاحيات المدير) في قراراتك المصيرية.
🔒 1. "مُشاهد" لا "مُستخدم"
أنت تتعامل مع أوامر الله كما تتعامل مع "محتوى" على وسائل التواصل. يمر عليك مقطع عن "غض البصر" أو "حرمة الربا". تضغط "إعجاب"، وربما تكتب "الله يجزاك خير"، وتشعر برضا زائف أنك "تحب الدين". لكن.. هل تغير سلوكك في اليوم التالي؟ لا. لماذا؟ لأنك في وضع "المُشاهد". المُشاهد يستمتع بالعرض، وينفعل معه عاطفياً، لكنه لا ينزل للملعب. أنت حولت الدين من "منهج حياة" يُطبق، إلى "مادة ترفيهية" تُستهلك شعورياً. وهذا أخطر أنواع الخداع الذاتي: أن تظن أن "سماع الحق" هو بديل عن "اتباع الحق".
وهذه الصورة ليست بعيدة عن ما كشفناه سابقاً في مقال وهم الرصيد البنكي حيث يتحول الشعور بالطاعة إلى رصيد نفسي زائف يغنيك عن التغيير الحقيقي.
📱 سيناريو واقعي: "المشاركة" و"الحظر"
دعنا نضعك تحت المجهر في هذا المشهد اليومي المتكرر: أنت تمسك هاتفك، يمر عليك مقطع مؤثر عن "خطر الغيبة والنميمة". تتوقف.. تشاهد.. يهتز قلبك.. ربما تدمع عينك.. وتضغط زر "مشاركة" لتنصح غيرك، وتكتب تعليقاً: "الله يهدينا ويصلح قلوبنا". (هنا الملف فُتح بنجاح في وضع القراءة). بعد دقيقتين بالضبط.. تصلك رسالة في "قروب" الأصدقاء فيها سخرية من فلان، أو خوض في عرض فلانة. ماذا تفعل؟ تضحك، وتشارك في الحفلة، وتضيف تعليقاً ساخراً! السؤال المرعب: أين ذهب المقطع الذي شاهدته قبل دقيقتين؟ الجواب: لقد نزل في "الذاكرة المؤقتة" للعاطفة فقط، ولم يُسمح له بالكتابة على "القرص الصلب" للسلوك. أنت استمتعت بالموعظة كـ "محتوى فني"، لكنك رفضتها كـ "أمر إلهي". قمت بـ "مشاركة" الفيديو.. وقمت بـ "حظر" العمل به!
🚫 2. زر "التعديل" مُعطَّل
تخيل أن القرآن هو "كود برمجي" يحاول الدخول لنظام قلبك ليقوم بالتحديث:
يحاول حذف "ملف علاقة محرمة".. فيظهر له: (تم رفض الوصول). يحاول تثبيت "برنامج الحجاب الشرعي".. فيظهر له: (ملف للقراءة فقط). يحاول تعديل "إعدادات الرزق" ليطهرها من الشبهة.. فيفشل التثبيت.
أنت تعطي الله "أذنك" لتسمع.. لكنك لا تعطي أوامره "مفتاح التحكم" لتغيّر. تقول بلسان حالك: "يا رب، سأسمع كلامك، وسأحب كلامك.. بشرط ألا يُغير شيئاً في (اللايف ستايل) الخاص بي، ولا يمس راحتي، ولا يخدش برستيحي". هذا ليس إسلاماً (تسليماً).. هذا "انتقاء".
وهذا الامتناع الداخلي عن تسليم القيادة يشبه ما فصّلناه في مقال صنم الأسباب حيث يبقى القلب متعلقاً بالإحساس أو بالعذر، دون أن يمنح الوحي سلطة القرار.
🎧 3. تخديرُ "الضمير" بالجرعات
لماذا تحب سماع المواعظ المؤثرة رغم أنك لا تتغير؟ لأن الموعظة تعطيك "جرعة مخدِّرة" من الراحة النفسية. حين تبكي أو تتأثر، يقول لك ضميرك: "انظر! قلبك لا يزال حياً، أنت بخير، أنت تحب الله". فتستغل هذا الشعور لتسكت لوم النفس، ثم تعود لنفس المعاصي بضمير مستريح! أنت تستخدم الدين كـ "مُسكن" لألم المعصية، بدلاً من استخدامه كـ "علاج" لمرض المعصية. تصبح الموعظة مجرد "إبرة بنج" تأخذها كل جمعة لتستطيع إكمال أسبوعك في الغفلة دون ألم.
📉 4. الملف التالف
ما مصير الملف الذي يرفض التحديثات لفترة طويلة؟ يصبح قديماً، ثقيلاً، غير متوافق مع النظام، ثم يتعطل تماماً. القلب الذي يعيش على "المعاينة فقط" يصاب بمرض (القسوة). ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾. القسوة هنا ليست "الشر".. القسوة هي "التكلس". يصبح القلب مثل "الحجر"؛ يمر عليه الماء (القرآن) فلا يمتصه ولا يُنبت زرعاً، بل يبلله من الخارج فقط ثم يجف. تسمع أعظم الآيات.. ولا يهتز فيك شعرة، لأن نظام الاستجابة قد تعطل.
⚖️ 5. فخ "سجلات النظام"... (حينَ يتحولُ "الدليلُ" ضدكَ!)
هنا نغلق باب الهروب الأخير. أنت تقول لنفسك: "على الأقل أنا أسمع الذكر، وهذا خير من الغفلة". خطأ. في "المحكمة الإلهية"، كل مقطع سمعته، وكل آية قرأتها، وكل موعظة هزت رأسك لها، مسجلة في "سجلات النظام".
﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾
هذه السجلات لن تكون "نقاط ولاء" لك.. بل ستكون "أدلة إدانة" ضدك. يوم القيامة، لن تستطيع أن تقول "يا رب لم أكن أعلم".. سيُفتح "سجل المشاهدة" ويقول لك: "بلى، علمتَ في اليوم الفلاني، وتأثرتَ، وبكيتَ.. ثم أصررتَ!". أنت بسماعك للحق دون اتباعه، تقوم بـ "إقامة الحجة" على نفسك بنفسك. لقد حولت القرآن من "شفيع" يدافع عنك.. إلى "شاهد إثبات" يدينك بتهمة: (الاستخفاف مع سبق الإصرار). فهل هناك ورطة أكبر من أن يكون "محاميك" هو نفسه "المدعي العام"؟
💡 الخلاصة: امنحْ أوامرَ اللهِ "صلاحياتِ المدير الأعلى"
يا صديقي.. الدين ليس "ملفاً للقراءة".. الدين "نظام تشغيل". إما أن يعمل بالكامل، وإما أن يتعطل بالكامل. الحل ليس في أن "تسمع أكثر".. الحل في أن "تفتح القفل". غيّر إعدادات قلبك الآن من (قراءة فقط) إلى (قراءة وكتابة). اسمح للآية أن تدخل وتحذف وتضيف. اسمح للحديث أن يغير جدول يومك، ونوع لبسك، وطريقة كسبك. سلِّم المفاتيح لأوامرِ الله وشرعه.. فالله هو المالك بحق، ولأمره الحكم والتصرف. أعطِ أوامره صلاحية "التعديل".. يبدأ فيك صلاحية "الحياة".