هندسة العدم: كيف تبدد آية "لم يكن شيئًا مذكورًا" قلق المستقبل؟

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

هندسة العدم زاوية مختلفة لقراءة آية ﴿هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئًا مذكورًا﴾. ليست لكسر الغرور فقط، بل لقتل القلق. إذا كان تدبير حياتك بدأ وأنت "لا شيء"، فكيف يقلقك الغد وأنت في رعاية من دبّر الأمر قبل وجودك؟

🕰️ هندسة "العدم"... حين كان الله يعمل لأجلك، وأنت (لا شيء)!

(عن وهم القلق على المستقبل.. وكيف تبدد هذه الآية رعبنا من الغد؟)

نحن دائما نقرأ هذه الآية لنكسر بها "غرورنا"، وهذا حق..
لكن دعنا نقرأها اليوم بزاوية أخرى تماما؛ لنكسر بها "قلقنا"!

أنت اليوم منهك. رأسك يغلي بخطط الغد، وتطاردك وحوش الظروف والمجهول، وتحمل هم رزقك ونجاحك وكأنك (المدير التنفيذي) لهذا الكون! قلقك ينبع من وهم ساذج بأنك إن غفلت لحظة، سينهار كل شيء. نحن نحمل الكون على أكتافنا المرهقة، وننسى أن الأكتاف، والكون، وما فيهما.. ملك لمن يدبر الأمر من السماء إلى الأرض في صمت مهيب.

هنا، تقترب منك آية ﴿هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا﴾ لتمسح على صدرك المقبوض، وتمنحك أعظم جرعة طمأنينة:

🔻 1. ورشة التجهيز الغيبية.. (حين كنت غائبا!)

في تلك الملايين من السنين التي كنت فيها عدما، لا اسم لك ولا عنوان، ولم تكن فكرة حتى في ذهن أبيك وأمك.. هل كان الله غافلا عنك؟
كلا. كان سبحانه يدبر الكون بحكمة وعلم، ويهيئ لك أسباب حياتك قبل أن توجد.

خلق الشمس لتدفئ من سيأتي بعد قرون، وسير السحاب لينزل الماء، وجعل في الأرض رزقا مدخرا، وغرس الرحمة في قلب امرأة لم تكن تعرفك لتكون أما تفديك بروحها.. هذا التدبير العظيم كان يجري، وأنت حينها غير موجود، مجرد لا شيء.

تخيل ضيفا دعاه ملك عظيم إلى قصره.. هل يعقل أن يقف الضيف على باب القصر مرتعبا، يحمل في جيبه كسرة خبز يابسة خشية أن يموت جوعا في ضيافة الملك؟ أنت هذا الضيف. الكون قصره، وهو من أرسل إليك بطاقة الدعوة حين أخرجك من العدم.. فهل يدعوك إلى مائدة الحياة ثم يتركك بلا تدبير أو رحمة؟

🔻 2. المفارقة التي تفضح قلقنا

تأمل هذا التناقض:
نوقن أن الله دبر أمرنا وجهز أرزاقنا حين كنا عدما لا نملك حتى صوت الدعاء.. ثم نرتبك اليوم في تدبيره لنا، ونحن وجود قائم، ندعوه ونسأله ونرجوه؟

أنت تبكي اليوم خوفا من ضيق رزق أو خسارة مال.. بينما كنت في ظلمات ثلاث داخل رحم أمك، لا تملك رصيدا، ولا شهادة، ولا حتى فما لتطلب به الطعام. فمن الذي مد لك حبلا سريا ينقل إليك الحياة بدقة ورحمة، وأنت مجرد مضغة لا تعقل شيئا؟ الذي رزقك وأنت لا تعرف طريق فمك، أيمكن أن يعجز عن رزقك وقد مشيت على قدميك؟

هل يعقل أن الذي رعاك وأنت غائب لا تذكر، يهملك وأنت حاضر تستغيث؟
هل يعقل أن الذي تكفل بك قبل أن توجد، يتركك بلا تدبير بعد أن أوجدك؟

لسنا ننفي الابتلاء، ولا الضيق، ولا المنع.. لكننا ننفي أن يكون ذلك إهمالا أو تخليا. ما يجري عليك قد يكون تربية، أو رفعا، أو تطهيرا، أو فتحا من باب لم تره بعد.

🔻 3. الاستراحة في مقام "اللا شيء"

القلق المدمر يسكننا حين ننسى بدايتنا، ونظن أن قوتنا هي التي تمسك السماء أن تقع. ننسى أن قلقنا المحموم لا يمنع أقدار الغد.. إنه فقط يسرق سلام اليوم.

هذه الآية تطلب منك أن تتخلى عن وهم السيطرة.
عد بذاكرتك إلى لحظة العدم، واستشعر كيف كانت الأمور تمضي بدونك بدقة ورحمة. كأن المعنى يقول لك: لقد كفيت هم وجودك قبل أن تكون، أفلا أكفيك هم رزقك وأنت تكون؟

⚡ الخلاصة التي تقتل خوفك:

استرح من عبء التفكير المميت.
الحياة لم تبدأ بتخطيطك، ولن تقف على عجزك.

الذي أدار عالمك بحكمة ورحمة قبل مجيئك، قادر على أن يدبر أمرك في أزماتك وديونك وأحلامك بعد حضورك، على الوجه الذي يريده لك خيرا وإن خفيت حكمته عنك.

اترك حمل الخوف من الغد في ساحة هندسة العدم، ونم مطمئنا في رعاية من كان لك قبل أن تكون لنفسك. فالمعركة التي دبرها الله لك في ظلمات الرحم، لن تخرج عن حكمته في نور الحياة، مهما اختلفت صورها.

مقالات ذات صلة