سقوط الدعائم: حين تتهاوى الأسباب ليبنى القلب على التوحيد

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

🧱 سقوط الدعائم… وبناء القلب على التوحيد

سقوط الدعائم: حين تتهاوى الأسباب ليبنى القلب على التوحيد


هل تعيش مرحلة ضيق متتابع وتشعر أن حياتك تتآكل من الداخل؟ هذا النص يشرح معنى سقوط الدعائم ولماذا قد يمرّ الإنسان بتفكيك هادئ لما تعلّق به قلبه، حتى يعود التوحيد مركز الاتزان. ستقرأ زاوية تميّز بين السعي الذي هو وظيفة الجوارح، والتعويل الذي هو وظيفة القلب، وتفهم كيف يتحول انقطاع الأسباب إلى باب عناية لا مسار كسر.

🧱 سقوط الدعائم… وبناء القلب على التوحيد

🔻 أنت الآن في مرحلة غريبة ومقلقة؛ تشعر وكأن بناء حياتك يتآكل من الداخل، لا فجأة، بل بتدرج بطيء ومنهك. كلما أغلقت منفذا انفتح آخر، وكلما طرقت بابا ارتد عليك صامتا، حتى امتد هذا الضيق إلى القلب ذاته، فانبثق السؤال الخفي: هل أنا مغضوب علي؟ لماذا تتعسر طرقي بينما تتيسر لغيري؟

🔻 غير أن هذا الشعور، على ثقله، لا يعني أن الأمور خرجت عن اللطف الإلهي، بل قد يكون العكس تماما. فما يجري ليس عبثا ولا اضطرابا بلا غاية، بل تفكيك حكيم لما تراكم في الداخل دون وعي. الله لا يهدم عبده، لكنه يزيل ما تعلق به قلبه سواه؛ يخفف ازدحام القلب بالخطط، وبالأسباب، وبالوجوه، وحتى بالاعتماد الخفي على العبادة والصبر وحسن التصرف.

نحن نصاب بالرعب حين تتهاوى "سقالات" البناء التي نسند إليها حياتنا (وظيفة، رصيد، شخص نحبه، ذكاء شخصي).. نظن أن السقف سيقع على رؤوسنا! بينما العناية الإلهية تنتزع هذه (السقالات الخشبية المؤقتة) لتختبر صلابة "العمود الفقري" في قلبك: عمود (لا إله إلا الله).

🔻 تظن أنك متوكل، لكنك في العمق متساند: إلى قدرتك على التدبير، وإلى مهارتك في الاحتمال، وإلى ترتيبك للأمور… حتى إذا اضطرب هذا الترتيب اضطرب معه القلب.

إنه (الشرك الخفي) المغلف بأناقة؛ أن نقرأ ﴿إياك نستعين﴾ بألسنتنا، بينما قلوبنا تهمس في السر: "إياك نستعين.. بواسطة فلان، وبرصيدي في البنك، وبخبرتي في السوق"!

🔻 🔎 ومن هنا يتشكل السؤال الجوهري: لماذا هذا التآكل المتتابع؟

🔻 لأن بناء التعلق بالأسباب لا يصلح أن يقام عليه سكون راسخ. فيترك الله المسار يضيق، لا ليكسر، بل ليصفي، حتى تبلغ مرحلة الخلو التام: خلوًا من الحيلة فتقول بهدوء صادق: لا أدري ماذا أفعل، وخلوًا من القوة فتدرك: لم يعد في الوسع احتمال، وخلوًا من التعويل الأرضي بعد أن تخذلك المساند التي ظننتها ثابتة.

🔻 تخيل أنك تتدلى من حافة هاوية مرعبة، تتشبث بـ (حبل مهترئ).. تصرخ لله أن ينقذك، فيأتيك الإلهام أن: (أفلت الحبل لتلتقطك يد الرحمة)! لكنك ترفض.. تبكي وتتشبث بالحبل أكثر، لأنك في العمق تثق في (الحبل المادي) الذي تراه، أكثر من ثقتك في (الأمان الغيبي) الذي لا تراه!

هنا.. من تمام رحمة الله بك، أن (يقطع) هذا الحبل فوق رأسك رغما عنك.. لتسقط صارخا في الفراغ، قبل أن تكتشف أنك سقطت في عناق العناية الإلهية التي كانت تنتظرك خطوة واحدة أسفل قدميك! لقد قطع حبلك ليحميك من وهمك!

🔻 عندها تتهاوى الأصنام الصامتة في القلب، وتنحسر الأنا، ويهدأ الاضطراب… ولا يبقى في القلب إلا اتجاه واحد.

🔻 🩺 وهنا تبدأ المرحلة الأشد عمقا، والأصدق أثرا: مرحلة التجريد.

🔻 يؤخر الفرج لتصل إلى إحساس لم تألفه من قبل؛ فراغ من كل شيء، وامتلاء بالله وحده. كغريق كان يتعلق بقشة، ثم بلوح، ثم بسباح؛ ما دام القلب متشبثا بهذه الوسائط فلن يتذوق حقيقة الافتقار.

فيزال ما في اليد، ويرفع ما حولك، حتى تأتي لحظة لا تجد فيها ما تعتمد عليه، فلا يبقى لك إلا أن تلقي قلبك كله بين يدي الله، وتنبعث من أعماقك كلمة واحدة: يا الله.

صيحة مضطر نزعت منه كل الأسلحة، وترك في ساحة المعركة بصدر عار إلا من يقينه.

🔻 وليست هذه ككل مرة نطقت بها. ليست “يا الله” المقرونة بخطة، ولا المتكئة على شخص، ولا المستندة إلى قوة. إنها “يا الله” صافية، خالية من كل سند سواه؛ لا لأن السعي مذموم، بل لأن السعي وظيفة الجوارح، وأما التعويل فوظيفة القلب، والقلب لا يطمئن إلا بالله.

🔻 📖 ولعل أصدق ما يجسد هذه اللحظة ما كان من أمر يونس عليه السلام؛ لم تأته النجاة وهو في السفينة، ولا وهو في لجّة البحر، بل حين أحاطت به الظلمات الثلاث: ليل وبحر وبطن حوت… انسداد كامل للأسباب.

وهناك لم تخرج من لسانه صيحة استغاثة، بل صدق عبودية وتنزيه: ﴿لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين﴾

لم يقل يونس: "يا رب أخرجني من الحوت".. لقد نسي (الحاجة) وانشغل بـ (الملجأ)! لقد أعلن إفلاسه التام من كل حيلة، فكانت النتيجة أن الحوت الذي كان (مقبرة)، تحول بأمر الله إلى (غواصة إنقاذ) نقلته إلى الشاطئ! فجاء الجواب رحمة محضة: ﴿فاستجبنا له﴾.

🔻 وعندها تتجلى الصورة كاملة: أنت لست في مأزق، بل في مسار عناية. والذي يدبر الأمر هو اللطيف الخبير؛ لا يعبث بالقلب، بل ينقيه من تعلقات خفية بامتحان رحيم.

الألم محسوس، والرهبة حاضرة، لكن ما يجري ليس عبثا. الله لا يؤخر الفرج قسوة، بل يزيح الحواجز التي حالت بينه وبين قلبك، ويعيد ترتيب الداخل حتى إذا جاء الفتح لم تفسده علائق قديمة.

🔻 🕊️ فلا تسارع إلى ترميم ما يزال الآن، ولا تجهد نفسك في إنقاذ اعتماد آني أو سند هش. دعه يتلاشى، حتى إذا قلت بصدق: يا رب، انقطعت حيلي، وخفت قوتي، وفوضت أمري إليك، فدبر لي فإني لا أحسن التدبير…

عندها ترى كيف تفتح الأبواب التي ظننتها موصدة، وكيف يجيء الفرج لا لأنك ظفرت بحل، بل لأن القلب عاد إلى الله وحده.

🔻 ومتى ما أصبح الله هو كل ما تملك.. ستكتشف فجأة، أن الله هو كل ما كنت تحتاج إليه طوال حياتك!