لماذا لا نشكر الله على النعم؟ حين يحوّل الاعتياد المعجزة إلى أمر عادي

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

لماذا لا نشكر الله على النعم كما ينبغي، مع أننا نغرق فيها صباحًا ومساءً؟ المشكلة ليست دائمًا في قلة النعم، بل في قلة الانتباه إليها. فحين تتكرر العافية، ويتكرر الستر، ويتكرر الأمن، ويتكرر النفس الداخل والخارج بلا ألم، يتعلم القلب أن يعامل المعجزة كأنها شيء عادي. وهنا يبدأ حجاب خطير: أن تظل محاطًا بآثار رحمة الله، لكنك لا تراها إلا إذا انسحب بعضها فجأة.

صورة تعبيرية عن الاعتياد على النعم وعدم الشعور بعظمة عطاء الله اليومي

أخطر ما يهدد قلبك ليس فقط البلاء الذي يهزّك… بل النعمة التي ألفتها حتى بطلت دهشتك بها.

🔻 حين تصير النعمة عادية

(المشكلة ليست في غياب العطاء، بل في سقوطه من عينك بسبب التكرار)

الشمس تشرق كل يوم، فتراها أمرًا عاديًا. تعود إلى بيتك سالمًا، فتظنه حقًا مكتسبًا. يمر يومك بلا خبرٍ يفجعك، وبلا ألمٍ يعطلك، وبلا فضيحةٍ تهدمك، فلا تنتبه أن هذا كله ليس “الحد الأدنى الطبيعي” كما يتوهم القلب، بل فيض متكرر من الستر والعافية والحفظ.

هنا يعمل الاعتياد عمله القاسي: لا ينكر النعمة صراحة، لكنه يفرغها من الإبهار، حتى يصير القلب باردًا أمام ما كان ينبغي أن يهزّه امتنانًا. وهذا يتصل مباشرة بمعنى وهم الاستحقاق؛ لأن من أخطر ما يفسد الشكر أن تبدأ النفس في معاملة العطايا كأنها وضع افتراضي ثابت، لا فضل متجدد من الله.

🔻 نعمة الصمت الداخلي

(نحن لا ننتبه إلى العافية لأنها تعمل بهدوء، وننتبه فقط إلى الألم لأنه صاخب)

داخل جسدك عالم كامل يعمل بلا توقف: أعضاء تنظف، وأجهزة توازن، وخلايا تدافع، ونبض لا يستأذنك ليواصل حمل الحياة. لكنك لا تكاد تشعر بكل هذا لأن الله أجرى كثيرًا من هذه النعم في صمت. ولو تحولت وظائف الجسد اليومية إلى ضجيج مستمر، لتحول يومك إلى عذاب. غير أن اللطيف سبحانه جعل أكثر العافية هادئة، حتى تنام، وتضحك، وتمشي، وتتكلم، وتنسى أصلًا كم يحمل جسدك عنك.

ولذلك فنحن لا ننتبه إلى السلامة غالبًا إلا إذا تعطلت. لا نعرف قيمة التنفس إلا عند ضيقه، ولا نعمة النوم إلا عند قلته، ولا هدوء الجسد إلا عند ألمٍ يكسر انتظامه. وهذه إحدى صور البلادة الروحية: أن يُعرّفك الوجع بما كان ينبغي أن يعرّفك به الوعي من قبل.

كثير من نعم الله لا تصرخ لتُرى… بل تمرّ في حياتك على هيئة هدوء، حتى تظن خطأً أن الهدوء لا يحتاج شكرًا.

🔻 الحارس الذي لا تراه

(ليس كل حفظٍ يظهر في حادث نجوته منه، بل أكثره يمر دون أن تشعر أصلًا)

من أكبر أسباب ضعف الشكر أننا نشكر الله على النجاة التي رأيناها، ونغفل عن النجاة التي لم نرها أصلًا. نشكره إذا وقع حادث ثم خرجنا منه، لكننا لا نشكره كما ينبغي على طرق لم نسلكها، وأذى لم يصل، وسوء صُرف، وكوارث مرّت قريبًا ولم تمسّنا، وأسباب تعطلت قبل أن تكتمل.

وهذا المعنى يلتقي بوضوح مع مقال تفسير ﴿إن الله يدافع عن الذين آمنوا﴾، لأن المشكلة ليست فقط في طلب الحماية وقت الخطر، بل في نسيان تاريخ طويل من الحفظ الصامت الذي نعيش داخله كل يوم وكأنه لا شيء.

🔻 لماذا لا ننتبه إلا عند الفقد؟

(لأن النفس تدقق في الثقب الصغير وتنسى اللوحة كلها)

الإنسان بطبعه يميل إلى تكبير ما نقص، وتصغير ما بقي. صداع عابر يسرق انتباهه من بحر العافية. موقف محرج يطغى على سنين من الستر. تأخر يسير يغطّي على أبواب مفتوحة لا تُحصى. وهكذا يصير المفقود ظاهرًا جدًا، بينما الموجود يبهت حتى يكاد يختفي من الشعور.

ولهذا فالمشكلة ليست فقط في أن عندك نقصًا ما، بل في طريقة نظر القلب. هل ينظر إلى النقص وحده وكأن الصورة كلها فسدت؟ أم يتراجع قليلًا ليرى اتساع الرحمة التي ما زالت تحيطه؟ وهذا ما يوسعه معنى ﴿ما يفتح الله للناس من رحمة﴾؛ لأن القلب إذا أبصر الأبواب المفتوحة، خفّ اختناقه بالباب الذي تأخر أو أُغلق.

🔻 الشكر قبل سحب الخدمة

(الوفاء الحقيقي أن ترى النعمة وهي قائمة، لا بعد أن تتحول إلى حسرة)

ليس المقصود من هذا المعنى أن يعيش الإنسان في رعبٍ مرضي من زوال كل شيء، بل أن يخرج من غيبوبة “العادي”. أن يتعامل مع الهواء على أنه فضل، لا خلفية صامتة. ومع الصحة على أنها نعمة، لا وضع دائم مضمون. ومع الأمن على أنه منّة، لا شيء لا يستحق الالتفات.

فالشكر عند الفقد حسرة، أما الشكر عند الوجود فوفاء. والعبد لا ينتظر دائمًا أن تهتز حياته بعطبٍ أو مرضٍ أو فقدٍ حتى يكتشف أنه كان يعيش في كنز. يكفيه أن يفتح عينيه قليلًا على ما يتكرر حوله، ليعلم أن التكرار لا يلغي المعجزة، بل يفضح اعتياده هو.

🔗 اقرأ أيضًا

💡 الخلاصة

لماذا لا نشكر الله على النعم؟ لأن الاعتياد يطفئ الدهشة، ولأن النفس لا ترى ما يتكرر إلا إذا فقدته، ولأن القلب إذا لم يربِّ نفسه على ملاحظة فضل الله، تحوّلت المعجزات اليومية في عينه إلى روتين باهت. والنجاة من هذا العمى ليست في انتظار البلاء حتى نصحو، بل في أن نتعلّم رؤية العافية قبل أن تغيب، والستر قبل أن ينكشف، والحفظ قبل أن نعرف من أي شيء نُجّينا.

اللهم إنا نعوذ بك من قلبٍ ألف النعمة حتى جحدها، ومن عينٍ ترى العطايا كل يوم فلا تندهش، ومن نفسٍ لا تفيق إلا عند الفقد. اللهم ارزقنا أدب الشكر قبل الإنذار، وبصيرةً ترى فضلك في الهواء، والعافية، والستر، والأمان، وكل ما نمرّ عليه غافلين وهو من أعظم نعمك علينا.

تعليقات

عدد التعليقات : 0