خديعة الرصيد الموهوم: لا تُحوِّل طاعتك إلى فاتورة أمام الله

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

مقالة إيمانية عميقة عن خديعة “الرصيد الموهوم”؛ ذلك المرض الخفي الذي يجعل الإنسان يطيع الله ظاهرًا، ثم يقف في باطنه موقف الدائن لا العبد، فينتظر من طاعته حياةً أقل ألمًا، وأقدارًا أكثر لينًا، واستجابةً تأتيه على مقاس شعوره بالاستحقاق، لا على مقتضى الفضل والحكمة.

خديعة الرصيد الموهوم لا تحول طاعتك إلى فاتورة أمام الله

🧾 خديعة "الرصيد الموهوم"

(لا تُحوّل طاعتك إلى فاتورة، وتقف في المحراب وقفة الدائن!)

🔻 لنضع كبرياءنا الخفي تحت مشرط المكاشفة، ونقترب من أشدّ أمراض القلوب تعقيدًا وخطورة: "الاستحقاق الروحي"

نحن ندخل في الصلاة، نصوم الأيام الطويلة، ونقتطع من أموالنا للصدقة، وهذا كله حقّ وخير. لكن الكارثة تبدأ حين يتسلل إلينا — دون أن نشعر — إحساسٌ خفي بأننا بصدد "تسديد التزامات" لحجز مقعد آمن في الدنيا قبل الآخرة.

شيئًا فشيئًا، يتحول المحراب في عقولنا اللاواعية إلى "مكتب صرافة". نؤدي الطاعة، ونطبع في قلوبنا "فاتورة" خفية ننتظر سدادها: صحةً، أو رزقًا، أو حمايةً من فواجع الأقدار.

كم من عبدٍ أرهق نفسه بالطاعة، لا لأنه رأى فيها شرف العبودية، بل لأنه كان — في زاويةٍ خفية من قلبه — ينتظر منها أن تصنع له حياةً أقلّ ألمًا، وطرقًا أكثر سلاسة، وأقدارًا أكثر لينًا. وهنا يبدأ الانحراف الدقيق: حين لا تعود الطاعة مقامَ افتقار، بل تتحول في الداخل إلى ذريعة انتظار.


📝 1. عقلية الدائن.. (فضيحة سؤال: لماذا أنا؟)

ينكشف هذا المرض العضال في لحظات الابتلاء.

حين يطرق المرض بابك، أو تتأخر وظيفتك، أو تُسلب شيئًا تحبه، ماذا يهمس لك الصوت الداخلي؟

"يا رب.. أنا أصلي، لا أسرق، أكف أذاي عن الناس، وأغض بصري.. فلماذا يحدث لي كل هذا؟"

تأمل هذا العتب السري بعمق. إنه ليس مجرد تساؤل قلبٍ حائر، بل هو اعتراضٌ خفيّ يحمل في داخله رائحة المطالبة.

أنت هنا لا تقف موقف العبد الذي يعلم أن ربه حكيمٌ في عطائه ومنعه، بل تنظر إلى الطاعة بمنطق المقايضة: (لقد قدّمتُ شيئًا، فأين الأثر الذي كنت أنتظره؟)

هذا هو الرصيد الموهوم.. أن تظن أن ركعاتك القليلة، ودمعاتك المحدودة، وبعض مجاهداتك المتعثرة، قد منحتك حصانةً من أقدار الله في الأرض.

والمشكلة ليست في الألم نفسه، بل في أن القلب كان يتوقع — في سره — معاملةً خاصة. فلما جاءه البلاء كما يأتي سائر البلاء، انكشف ما كان مختبئًا تحت جلد الطاعة: ليس فقرًا كاملًا.. بل استحقاقًا مؤجلًا.


🔍 2. تشريح الفاتورة.. (بأي عملةٍ تطالب؟)

لو افترضنا — جدلًا — أن العبد سيُعامَل بمنطق "الفواتير" والمقايضة، فتعال نُدقّق في حقيقة البضاعة التي يقدّمها.

ما هي هذه الطاعة التي تدلّ بها على الله؟

هل هي صلاةٌ ابتلع السرحان والهواجس الدنيوية نصفها، ولم يبقَ منها إلا ظاهر الحركات وصورة الوقوف؟

أم هي صدقةٌ خالطها شعورٌ خفيّ بالتميّز والرضا عن الذات؟

أم توبةٌ باردة باللسان، بينما القلب لا يزال يلتفت إلى المعصية كلما سنحت الفرصة؟

نحن نجمع أعمالًا مثقوبة بالغفلة، ومنقوصة بالشوائب، ومكدّرة بحظوظ النفس الخفية.. ثم نغضب إذا لم نصنع بها معجزات.

لو وُكِلنا إلى هذا "الرصيد"، وعوملنا بميزان العدل المحض لا الفضل.. لأفلسنا جميعًا قبل أن نرفع رؤوسنا من سجدةٍ واحدة.

بل الحقيقة الأشد إيلامًا: أن كثيرًا من طاعاتنا التي نراها كبيرة في أعيننا، لو كُشف لنا قدر ما خالطها من غفلةٍ وعُجبٍ وطلبِ حظّ النفس.. لاستحيينا أن نجعلها سببًا لأي مطالبة أصلًا.


🔄 3. المفارقة الصاعقة.. (أنت تطلب بعملٍ هو من عطائه أصلًا!)

أخطر ما في لغة "الفواتير" مع الله، هو الجهل بحقيقة النعمة.

حين تقول: "لقد أطعتك فاعطني"، فأنت تنسى أن الطاعة نفسها لم تكن لتحدث لولا فضل الله عليك.

من الذي وهبك القلب الذي خشع؟

ومن الذي خلق لك القدمين اللتين سارتا إلى المسجد؟

ومن الذي ألهمك التوبة حين غفل عنها الملايين؟

ومن الذي سترك وأمهلك ولم يفضحك، ثم فتح لك باب الرجوع أصلًا؟

الطاعة التي تلوّح بها ليست من صنعك المحض، بل هي منّةٌ من الله عليك قبل أن تكون عملًا منك.

فكيف يتجرأ العبد أن يحوّل المنحة إلى حجة، والتوفيق إلى رصيد، والفضل إلى فاتورة؟

أنت لم تأتِ إلى الله بشيءٍ من خارج خزائنه. أنت تتحرك في ملكه، وتتنفس من هوائه، وتعبده بقوةٍ خلقها فيك، وتوفيقٍ ساقه إليك.. ثم يخطر لك أن تقف بعد ذلك موقفَ المطالب!

هذا هو الحمق الروحي الذي لا ينتبه له كثيرون: أنك تفرح بالطاعة من حيث هي باب قرب — وهذا حسن — ثم تنحرف بها خفيةً حتى تجعلها في باطنك مستندَ استحقاق.


💡 الخلاصة: (أن تخلع رصيدك مع حذائك)

يا صديقي، إن الله لا يعامل عباده على قدر أوهامهم في الاستحقاق، بل يفتح عليهم من فضله ورحمته ما يشاء بحكمةٍ يعلمها.

وأول خطوات النجاة، وأول أبواب الصدق.. هي الافتقار التام.

الذين عرفوا الله حقًا، إذا دخلوا في مناجاته، تركوا رؤية أعمالهم خارج الباب، ودخلوا عليه بأيدٍ فارغة، وقلوبٍ ترتجف، ونفوسٍ لا تتكئ إلا على رحمته.

لا تقف في محرابك وقفة التاجر المزهوّ برصيده، بل قف وقفة الغريق الذي لا يملك من أمره شيئًا. لا تدخل على الله بلسان الحال: "فعلتُ، فاستحققْتُ". بل ادخل عليه بلسان المكسور الذي يعلم أن نجاته كلها فضل، وأن أقرب ما يكون إلى الله حين يسقط من عينه عمله، ويعظم في قلبه منُّ الله عليه.

قُل بصدقٍ يمزق حجاب الغرور:

"يا رب.. جئتك بلا رصيد أتكئ عليه، وببضاعةٍ مزجاة لا تصلح للتبضّع في سوق كرمك.

جئتك فقيرًا حتى من طاعتي، لأن طاعتي نفسها من عطائك، وتوبتي من توفيقك، وثباتي إن ثبتُّ من رحمتك.

فلا تكلني إلى عملي، ولا إلى قلبي، ولا إلى ما ظننته يومًا سببًا للنجاة.

عاملني بما أنت أهله من الفضل والجود، ولا تعاملني بما أنا أهله من التقصير والغفلة وسوء الأدب.

واجعل عبادتي لك حبًّا خالصًا لا يفسده انتظار المقابل، وافتقارًا صادقًا لا تشوبه لوثة الاستحقاق.. فإني لو وُكلت إلى رصيدي، هلكت."